غلوه في علي وإسقاطه لخلافة عثمان وأنها كانت فجوة بين الخليفتين قبله وعلي بعده :
قال سيد في (ص 172 ـ 173 ):
((هما رأيان إذن في تقسيم المال. رأي أبي بكر ورأي عمر. وقد كان لرأي عمر ـ رضي الله عنه ـ سنده : " لا أجعل من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن قاتل معه " و.... " فالرجل وبلاؤه في الإسلام.... " ولهذا الرأي أصل في الإسلام وهو التعادل بين الجهد والجزاء وكان لرأي أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ سنده كذلك : " إنما أسلموا لله وعليه أجرهم، يوفيهم ذلك يوم القيامة، وإنما هذه الدنيا بلاغ " ولكننا لا نتردد في اختيار رأي أبي بكر إذ كان أقمن أن يحقق المساواة بين المسلمين ـ وهي أصل كبير من أصول هذا الدين ـ وأحرى أن لا ينتج النتائج الخطرة التي نتجت عن هذا التفاوت، من تضخم ثروات فريق من الناس، وتزايد هذا التضخم عاماً بعد عام بالاستثمار ـ والمعروف اقتصادياً أن زيادة الربح تتناسب إلىحد بعيد مع زيادة رأس المال ـ هذه النتائج التي رآها عمر في آخر أيام حياته، فآلى لئن جاء عليه العام ليسوين في الأعطيات، وقال قولته المشهورة : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء " !
ولكن واأسفاه ! لقد فات الأوان، وسبقت الأيام عمر، ووقعت النتائج المؤلمة التي أودت بالتوازن في المجتمع الإسلامي، كما أدت فيما بعد إلى الفتنة، بما أضيف إليها من تصرف مروان وإقرار عثمان !
رجع عمر عن رأيه في التفرقة بين المسلمين في العطاء، حينما رأى نتائجه الخطرة، إلى رأي أبي بكر. وكذلك جاء رأي علي مطابقاً لرأي الخليفة الأول ـ ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي ـ رضي الله عنه ـ امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، وأن عهد عثمان الذي تحكم فيه مروان كان فجوة بينهما ـ لذلك نتابع الحديث عن عهد علي ثم نعود للحديث عن الحالة في أيام عثمان.
اختار علي مبدأ المساواة في العطاء، وقد نص عليه في خطبته الأولى حيث قال : " ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله يرى أن الفضل له على سواه بصحبته، فإن الفضل غداًعند الله، وثوابه وأجره على الله. ألا وأيما رجل استجاب لله ولرسوله، فصدّق ملتنا، ودخل ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده. فأنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، ولا فضل فيه لأحد على أحد، وللمتقين عند الله أحسن الجزاء ".
هذا هو المبدأ الإسلامي السليم الذي يتفق مع روح المساواة الإسلامية، ويكفل للمجتمع الإسلامي التوازن، فلا يدع الثروات تتضخم إلا بقدر الجهد والعمل وحدهما، لا بفضل إتاحة فرصة لا تتاح للآخرين، بوجود وفر من المال للعمل فيه أكبر مما لدى الآخرين.