الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » الرد على من يقول: إن أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه مخالفين لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين

الرد على من يقول: إن أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه مخالفين لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين


عدد الزيارات عدد الزيارات : 17936     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 7037

الرد على من يقول: إن أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه مخالفين لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه .

أما بعد:

 فهناك في هذا العصر من يقول: "إن أحاديث الشفاعة وحديث البطاقة من المتشابه فيرد إلى المحكم".

وهذا قول خطير مخالف لاتفاق أهل السنة الآخذين بها المسلِّمين بها، الرادين بها على الخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم.

وفي هذا القول ما هو أدهى وأمر، وهو أنه يتضمن رمي أهل السنة وأئمتهم بأنهم من أهل الزيغ الذين قال الله فيهم: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ).

وحاشا أهل السنة، ثم حاشاهم أن يكونوا من أهل الزيغ المتبعين للمتشابه، فإن هذا إنما هو حال أهل الزيغ والضلال.

هذا، وكنت سابقًا قد كتبت مقالًا عنوانه: [أحاديث الشفاعة الصحيحة تدمغ الخوارج والحدادية القطبية].

وسُقتُ في هذا المقال أحاديث الشفاعة المتواترة؛ فساء ذلك الحدادية، فانبرى للرد عليه عبد الله صوان الغامدي الحدادي بمقالٍ باطل عنوانه: [مقال جديد لربيع المدخلي حول أحاديث الشفاعة وفهمه للاستسلام لها].

وادَّعى عَلَيَّ زورًا في هذا المقال وبهتانًا أنني أخالفُ عقيدةَ أهل السنة في الإيمان، وأَتَّبِعُ فيها المتشابهَ من النصوص، وملأ هذا المقال بالكذب والباطل، فما رأيت في أهل البدع أجرأ على الكذب والتحريف من الفرقة الحدادية، وعلى رأسها هذا الحدادي ونظرائه.

وتأمل كيف يعيرني بالاستسلام لأحاديث الشفاعة التي استسلم لها الصحابة وأهل السنة وأئمتهم جميعًا على امتداد التاريخ، ولم يرفض الاستسلام لها إلا أهل  البدع والضلال من الخوارج والمعتزلة والحدادية؛ لأنه عجز عن مواجهة ما في مقالي من الحُجج والبراهين الدامغة لأباطيل الحدادية والخوارج.

وهاكم أقوال أئمة السنة والتوحيد في الاستسلام لأحاديث الشفاعة:

1- قول الإمام أحمد -رحمه الله-

قال الإمام اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (6/1183) رقم (2090):

أنا عبيد الله بن محمد بن أحمد ، قال : أنا عثمان بن أحمد ، قال : نا حنبل ، قال : قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل : ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة؟ فقال : « هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر ، وكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جيدة نؤمن بها ونقر ، قلت له : وقوم يخرجون من النار ؟ فقال : نعم ، إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه رددنا على الله أمره قال الله عز وجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قلت : والشفاعة ؟ قال : كم حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة والحوض ، فهؤلاء يكذبون بها ويتكلمون ، وهو قول صنف من الخوارج ، وإن الله تعالى لا يخرج من النار أحدا بعد إذ أدخله ، والحمد لله الذي عدل عنا ما ابتلاهم به».

وبإسناده عن حنبل قال: سمعت علي بن المديني يقول: «الإيمان والتصديق بالشفاعة ، وبأقوام يخرجون من النار بعدما احترقوا ، وصاروا فحما كما جاء الأثر والتصديق به والتسليم».اهـ

وقال الخلال في "السنة" (1/588):

"أخبرنا محمد بن علي قال ثنا صالح قال سألت أبي ما زيادته ونقصانه قال زيادته العمل ونقصانه ترك العمل مثل تركه الصلاة والزكاة والحج وأداء الفرائض فهذا ينقص ويزيد بالعمل وقال إن كان قبل زيادته تاما فكيف يزيد التام فكما يزيد كذا ينقص وقد كان وكيع قال ترى إيمان الحجاج مثل إيمان أبي بكر وعمر رحمهما الله".

وقال الإمام أحمد رحمه الله- في "طبقات الحنابلة" (1/343):

"والإيمان قول وعمل يزيد وينقص زيادته إذا أحسنت ونقصانه إذا أسأت ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحدا بها فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه".

فهذان نصان عن الإمام أحمد لا يكفر فيهما بعدم العمل، وفي أحدهما نص أنه لا يُكفر إلا بالشرك بالله العظيم، ولا يكفر بترك العمل.

والظاهر أنه أخذهما من قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ومن أحاديث الشفاعة التي منها: يخرج الله من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان.

ومن أحاديث فضل التوحيد، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم-: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قبل نفسه".

وله رواية في تكفير تارك الصلاة، والذي يظهر أن هذين القولين السابقين منه رجوع عن التكفير بناء على أحاديث الشفاعة والآية المذكورة وأحاديث فضل التوحيد.

2-أورد أبو بكر بن أبي عاصم المتوفى سنة (287هـ) في كتابه "السنة" أحاديث الشفاعة من رقم (784-846).

وقال عقب حديث أنس رضي الله عنه- ذي الرقم (832):

"قال أبو بكر: والأخبار التي روينا عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيما فضله الله به من الشفاعة وتشفيعه إياه فيما يشفع فيه أخبار ثابتة موجبة بعلم حقيقة ما حوت على ما اقتصصنا. والصاد عن الأخبار الموجبة للعلم المتواترة كافر".

3- وقال الإمام ابن جرير رحمه الله- في كتاب "التبصير في معالم الدين" بعد أن أورد أقوال الخوارج والمرجئة وغيرهم في مصير أهل الكبائر.

قال -رحمه الله- في (ص185-186):

"وبعد: فإن الأخبار المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  متظاهرة بنقل من يمتنع في نقله الخطأ والسهو والكذب، ويوجب نقلُه العلم، أنه ذكر أن الله جل ثناؤه يخرج من النار قوما بعد ما امتحشوا وصاروا حمماً، بذنوب كانوا أصابوها في الدنيا ثم يدخلهم الجنة. وأنه - صلى الله عليه وسلم -  قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وأنه عليه السلام يشفع لأمته إلى ربه -عز وجل ذكره- فيقال: أخرج منها منهم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. في نظائر لما ذكرنا من الأخبار التي إن لم تثبت صحتها لم يصح عنه خبر - صلى الله عليه وسلم ".

4- قال الإمام أبو بكر الآجري رحمه الله- المتوفى سنة (360هـ)، في كتاب  "الشريعة مع الذريعة إلى بيان مقاصد الشريعة" (ص236-238):

"باب وجوب الإيمان بالشفاعة قال محمد بن الحسين : اعلموا رحمكم الله ، أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها ، وهذا مذهب المعتزلة يكذبون بها، وبأشياء سنذكرها إن شاء الله تعالى ، مما لها أصل في كتاب الله عز وجل ، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنن الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان ، وقول فقهاء المسلمين فالمعتزلة يخالفون هذا كله ، لا يلتفتون إلى سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا إلى سنن أصحابه رضي الله عنهم وإنما يعارضون بمتشابه القرآن ، وبما أراهم العقل عندهم ، وليس هذا طريق المسلمين وإنما هذا طريق من قد زاغ عن طريق الحق وقد لعب به الشيطان، وقد حذرنا الله عز وجل ممن هذه صفته ، وحذرناهم النبي صلى الله عليه وسلم وحذرناهم أئمة المسلمين قديما وحديثا ، فأما ما حذرناهم الله عز وجل وأنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وحذرناهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ، هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى قوله : وما يذكر إلا أولو الألباب .

763 - حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف بن زياد قال : حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال : أنا عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب  الآية فقال : « إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله عز وجل فاحذروهم ».

ثم ساق هذا الحديث بإسنادين آخرين.

ثم قال عقب حديث (774):

"إن المكذب بالشفاعة أخطأ في تأويله خطأ فاحشا خرج به عن الكتاب والسنة ، وذلك أنه عمد إلى آيات من القرآن نزلت في أهل الكفر ، أخبر الله عز وجل : أنهم إذا دخلوا النار أنهم غير خارجين منها ، فجعلها المكذب بالشفاعة في الموحدين ، ولم يلتفت إلى أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثبات الشفاعة أنها إنما هي لأهل الكبائر ، والقرآن يدل على هذا . فخرج بقوله السوء عن جملة ما عليه أهل الأيمان ، واتبع غير سبيلهم قال الله عز وجل : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).

 فكل من رد سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنن أصحابه فهو ممن شاقق الرسول وعصاه ، وعصى الله تعالى بتركه قبول السنن ، ولو عقل هذا الملحد وأنصف من نفسه ، علم أن أحكام الله عز وجل وجميع ما تعبد به خلقه إنما تؤخذ من الكتاب والسنة ، وقد أمر الله عز وجل نبيه عليه السلام : أن يبين لخلقه ما أنزله عليه مما تعبدهم به ، فقال جل ذكره : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وقد بين صلى الله عليه وسلم لأمته جميع ما فرض الله عز وجل عليهم من جميع الأحكام وبين لهم أمر الدنيا وأمر الآخرة وجميع ما ينبغي أن يؤمنوا به ولم يدعهم جهلة لا يعلمون حتى أعلمهم أمر الموت والقبر وما يلقى المؤمن ، وما يلقى الكافر ، وأمر المحشر والوقوف وأمر الجنة والنار حالا بعد حال يعرفه أهل الحق ، وسنذكر كل باب في موضعه إن شاء الله تعالى".

ثم أطال النفس في النقد لمن لا يسلم بأحاديث الشفاعة.

ثم قال: باب ما روي أن الشفاعة إنما هي لأهل الكبائر.

وساق بعض أحاديث الشفاعة  من حديث (778-785).

ثم قال: باب ما روي أن الشفاعة لمن لم يشرك بالله تعالى.

وساق في هذا الباب الأحاديث الآتية:

786 - حدثنا أبو بكر قاسم بن زكريا المطرز قال : حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء قال : حدثنا أبو معاوية قال المطرز : وحدثنا يوسف بن موسى القطان قال : حدثنا جرير جميعا عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا» لفظ أبي معاوية.

787 - حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال : حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال : أخبرنا أبو معاوية قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وأخرت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا ».

788 - حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني قال : حدثنا يحيى بن أيوب قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر قال : أخبرني عمرو بن أبي عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما رأيت من حرصك ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله خالصا من نفسه ».

ثم قال: باب ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: « لكل نبي دعوة يدعو بها ، واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي ».

وساق في هذا الباب عدداً من الأحاديث من حديث (789) إلى حديث (792).

ثم أورد أبواباً أخر إلى حديث (821).

ثم قال-رحمه الله-:

"فأنا أرجو لمن آمن بما ذكرنا من الشفاعة وبقوم يخرجون من النار من الموحدين ، وبجميع ما تقدم ذكرنا له ، وبجميع ما سنذكره إن شاء الله من المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته وذريته وصحابته وأزواجه رضي الله عنهم أجمعين : أن يرحمنا مولانا الكريم ، ولا يحرمنا وإياكم من تفضله ورحمته ، وأن يدخلنا وإياكم في شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وشفاعة من ذكرنا من الصحابة وأهل بيته ، وأزواجه رضي الله عنهم أجمعين ، ومن كذب بالشفاعة ، فليس له فيها نصيب ، كما قال أنس بن مالك".

5- نقل اللالكائي رحمه الله- المتوفي سنة (418هـ) في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" أحاديث الشفاعة من (ص1161-1183).

ذكر خلال هذه الصحائف عدداً من الأحاديث عن عدد من الصحابة.

ثم قال في (ص1182-1183):

"أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ ، قَالَ : نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : نا يَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيُّ ، قَالَ : نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ، عَنْ أَنَسٍ . ح.

 وَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ ، قَالَ : نا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : نا بِشْرُ بْنُ مُبَشِّرٍ ، قَالَ : نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : " مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلا نَصِيبَ لَهُ فِيهَا " . لَفْظُ ابْنِ الْمُبَارَكِ.

أنا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ : أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : نا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، قَالَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : سمعت أَيُّوبَ ، يَقُولُ : " مَنْ كَذَّبَ بالشفاعة فَلا يَنَالُهَا " .

أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ : أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ : نا حَنْبَلٌ ، قَالَ : قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ : مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ : " هَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ ، نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ ، وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ ، قُلْتُ لَهُ : وَقَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، إِذَا لَمْ نُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَدَفَعْنَاهُ ، رَدَدْنَا عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا سورة الحشر آية 7 قُلْتُ : وَالشَّفَاعَةُ ؟ قَالَ : كَمْ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ ، فَهَؤُلاءِ يُكَذِّبُونَ بِهَا ويتكلون ، وَهُوَ قَوْلُ صِنْفٍ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ أَحَدًا بَعْدَ إِذْ أَدْخَلَهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَدَلَ عَنَّا مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ " .

وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ حَنْبَلٍ ، قَالَ : سمعت عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ : " الإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِالشَّفَاعَةِ ، وبأقوام يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا احْتَرَقُوا ، وَصَارُوا فَحْمًا كَمَا جَاءَ الأَثَرُ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ وَالتَّسْلِيمُ "" .

6- قال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني ت(449) رحمه الله- في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث" ص(73-74 ):

 "ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمذنبي التوحيد، ومرتكبي الكبائر، كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسم، أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، أنبأنا أبو حامد بن الشرقي، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنبانا معمر عن ثابت عن أنس عن الني صلى الله عليه وسلم قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". وأخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد أخبرنا محمد بن المسيب الأغياني، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي، عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى. أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين". أخبرنا أبو محمد المجلدي، أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، (ح). وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة أخبرنا جدي الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا علي بن حجر بن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: " لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه"([1])".

7- وهاك اتفاق طوائف أهل الحديث والسنة على أن من أهل الكبائر من يخرج من النار بما في قلوبهم من الإيمان.

آخذين ذلك من أحد أحاديث الشفاعة.

ذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في كتابه تعظيم قدر الصلاة اختلاف أهل السنة والحديث في الفرق بين الإسلام والإيمان من (ص506-556).

وقسمهم في هذا الاختلاف المعين إلى ثلاث طوائف:

طائفتان تفرق بين الإيمان والإسلام.

وثالثة لا تفرق بينهما وهم جمهور أهل الحديث كما قال رحمه الله، وساق لكل طائفة من أهل الحديث أدلتها.

قال رحمه الله في بداية هذا البحث (2/506):

"اختلف أصحابنا في تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فقالت طائفة منهم:

إنما أراد النبي صلى الله عليه و سلم إزالة اسم الإيمان عنه من غير أن يخرجه من الإسلام ولا يزيل عنه اسمه وفرقوا بين الإيمان والإسلام وقالوا: إذا زنى فليس بمؤمن وهو مسلم.

واحتجوا لتفريقهم بين الإيمان والإسلام بقول الله تبارك وتعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا).

فقالوا: الإيمان خاص، يثبت الاسم به بالعمل بالتوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم به بالتوحيد والخروج من ملل الكفر، واحتجوا بحديث سعد بن أبي وقاص الذي:

 560 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عامر ابن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أعطى رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا وهو مؤمن فقال النبي صلى الله عليه و سلم: أو مسلم حتى أعادها سعد ثلاثا. والنبي يقول: أو مسلم. ثم قال: إني أعطي رجالا وأمنع آخرين هم أحب إلي منهم مخافة أن يكبوا على وجوههم في النار.اهـ

ثم ساق أدلة أخرى على قولهم هذا.

ثم نقل عنهم في (ص513) أنهم لا يريدون بنفي الإيمان عنه أنه كافر خارج من الإيمان كله، فقال:

"فإن قيل لهم في قولهم هذا: ليس([2]) الإيمان ضد الكفر. قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان؛ لأن للإيمان أصلا وفرعا فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر".

ثم واصل الأخذَ والردَّ بين هذه الطائفة وبين إخوانهم من أهل الحديث إلى (ص517).

ثم قال في آخر (ص517):

"قال أبو عبد الله: وقالت طائفة أخرى أيضا من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء إلا أنهم سموه مسلما؛ لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال، ولم يسموه مؤمنا وزعموا أنه مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر لا كافر بالله ولكن كافر من طريق العمل وقالوا كفر لا ينقله عن الملة وقالوا: محال أن يقول النبي (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) والكفر ضد الإيمان، فيزيل عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له؛ لأن الكفر ضد الإيمان إلا أن الكفر كفران كفر هو جحد بالله وبما قال، فذلك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال.

وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه)".

ثم ساق حججهم والنقاش بينهم وبين إخوانهم من أهل الحديث إلى (ص529).

ثم قال في آخر (ص529):

وقالت طائفة ثالثة -وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب  الحديث-: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه.

وهو ضد الكفر الذي سخطه، فقال: (ولا يرضى لعباده الكفر).

وقال: (ورضيت لكم الاسلام دينا).

وقال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام).

وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه).

فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية، فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى، وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه، فقد أحبه وامتدحه، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه فقال إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ذبيحه:

(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك).

وقال يوسف: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين).

وقال: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

وقال: (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا).

وقال في موضع آخر: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) إلى قوله: (ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)، فحكم الله بأن من أسلم فقد اهتدى ومن آمن فقد اهتدى فقد سوى بينهما".

ثم ساق رحمه الله حُجَجًا لهذه الطائفة بصحة قولهم إلى (ص535).

ثم قال: "ومما يدلك على تحقيق قولنا أن من فرق بين الإيمان والإسلام قد جامعنا: أن من أتى الكبائر التي استوجب النار بركوبها لن يزول عنه اسم الإسلام، وشر من الكبائر وأعظمهم ركوبا لها من أدخله الله النار فهم يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ويثبتونه أن الله يقول: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ومثقال برة ومثقال شعيرة).

فقد أخبر الله تبارك وتعالى أن في قلوبهم إيمانا أخرجوا به([3]) من النار وهم أشر أهل التوحيد الذين لا يزول في قولنا وفي قول من خالفنا عنهم اسم الإسلام.

ولا جائز أن يكون من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار([4]) ودخول الجنة ليس بمؤمن بالله إذ لا جائز أن يفعل الإيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن كما لا جائز أن يفعل الكفر بقلبه من ليس بكافر".

أقول: وهنا اتفقت كلمة هذه الثلاث الطوائف من أهل الحديث على أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان... إلخ.

فهؤلاء أهل الحديث أخذوا بحديث من أحاديث الشفاعة، ولم يقولوا: إنه من المتشابه.

واتفقوا على أنه يخرج من النار بما في قلبه من الإيمان وأنه يستوجب الجنة بما في قلبه من الإيمان.

لأن هذا الصنف لقي الله بذنوب عظيمة، إلا أنه موحدٌ لم يشرك بالله عز وجل؛ فاستحقَّ بهذا التوحيد وعمله القلبي الخروج من النار، ثم دخول الجنة.

وهذا يؤمن به أهل السنة والحديث جميعًا -كما مرَّ ذلك بالقارئ- هذا بالإضافة إلى أحاديث الشفاعة الكثيرة، والآيات القرآنية، وأحاديث فضل التوحيد.

ويخالفهم في هذا الخوارج والمعتزلة ومن سار على نهجهم من أهل الأهواء، مثل الفرقة الحدادية.

1-            قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي وَغَيْرُهُمَا { يُجَاءُ بِرَجُلِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ . فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ فَيُقَالُ لَهُ : أَلَكَ عُذْرٌ أَلَكَ حَسَنَةٌ ؟ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ : بَلَى إنَّ لَك عِنْدَنَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْك الْيَوْمَ قَالَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَتُوضَعُ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ } . فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُظْلَمُ بَلْ يُثَابُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ } { وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } ). [مجموع الفتاوى] (8/91).

هكذا يقول شيخ الإسلام عن هذا الرجل: "بَلْ يُثَابُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنْ التَّوْحِيدِ".

ولم يقل: والحسنات. بل لم يذكر له حسنة.

2-            وقال رحمه الله:

(وَحَدِيثُ أَبِي كَبْشَةَ([5]) فِي النِّيَّاتِ مِثْلُ حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ فِي الْكَلِمَاتِ . وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْشُرُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَى الْبَصَرِ وَيُقَالُ لَهُ هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ هَلْ ظَلَمْتُك ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ . فَيُقَالُ لَهُ : لَا ظُلْمَ عَلَيْك الْيَوْمَ فَيُؤْتَى بِبِطَاقَةِ فِيهَا التَّوْحِيدُ ؛ فَتُوضَعُ فِي كِفَّةٍ وَالسِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ } فَهَذَا لِمَا اقْتَرَنَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ وَالصَّفَاءِ وَحُسْنِ النِّيَّةِ ؛ إذْ الْكَلِمَاتُ وَالْعِبَادَاتُ وَإِنْ اشْتَرَكَتْ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّهَا تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ تَفَاوُتًا عَظِيمًا). [مجموع الفتاوى] (10/734-735).

يقصد رحمه الله- بقوله: (...بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ) التوحيد فقط.

 ولو كان يقصد أنه له حسنة أو حسنات إلى جانب التوحيد لصرّح بها.

3-            وقال رحمه الله:

وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ تَتَفَاضَلُ بِالْأَجْنَاسِ تَارَةً وَتَتَفَاضَلُ بِأَحْوَالِ أُخْرَى تَعْرِضُ لَهَا : تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا وَهَذَا أَعْظَمُ مِنْ هَذَا . وَالْعَبْدُ قَدْ يَأْتِي بِالْحَسَنَةِ بِنِيَّةِ وَصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ تَكُونُ أَعْظَمَ مِنْ أَضْعَافِهَا . كَمَا فِي حَدِيثِ صَاحِبِ الْبِطَاقَةِ الَّذِي رَجَحَتْ بِطَاقَتُهُ الَّتِي فِيهَا : "لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ" بِالسِّجِلَّاتِ الَّتِي فِيهَا ذُنُوبُهُ . وَكَمَا فِي حَدِيثِ الْبَغِيِّ الَّتِي سَقَتْ كَلْبًا بِمُوقِهَا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا . وَكَذَلِكَ فِي السَّيِّئَاتِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.[مجموع الفتاوى] (11/660).

انظر إلى قول هذا الإمام: رَجَحَتْ بِطَاقَتُهُ الَّتِي فِيهَا : "لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ" .

وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها.

قال رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (1/318):

"وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا : لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ ﷺ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ".

وَسُئِلَ عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَمْ لَا ؟ .

فَأَجَابَ:

"إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي " أَهْلِ الْكَبَائِرِ " ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ . وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ . فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"ا.هـ. مجموع الفتاوى (4/309).

تأمل هذين النصين اللذين صرّح فيهما شيخ الإسلام باتفاق الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة على التسليم بأحاديث الشفاعة، "وعلى أنه لا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان".

وأقول: بل في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه-: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ.

 ولم ينقل شيخ الإسلام ولا غيره عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم أنه قال: إن أحاديث الشفاعة من المتشابه.

4-قال الإمام ابن القيم رحمه الله- في كتابه "حادي الأرواح" (ص272-273):

"الوجه العشرون أنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة "فيقول الله عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه"، فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار، وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فإن لفظ الحديث هكذا "فيقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز و جل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قطفهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.

ومن هذا رحمته سبحانه  للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط، ومع هذا فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك وأنت أعلم فما تلافاه أن رحمه الله، فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه([6]) عقول البشر، وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: (يقول الله عز وجل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)([7])".اهـ

أقول:

تأمل كلام هذين الإمامين وغيرهما حيث لم يجعلوا حديث البطاقة من المتشابه، وكذلك أحاديث الشفاعة عند الصحابة وعلماء السنة لا نعرف أحدًا منهم أنه قال: إنها من المتشابه. بل أجمعوا هم والصحابة على القول بمضمونها.

وابن القيم رحمه الله بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث.

ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد.

والذي نعرفه عن ابن القيم أنه كان يرى كفر تارك الصلاة.

فلا يبعد أن يكون قد غيّر رأيه؛ تسليماً منه بأحاديث الشفاعة وحديث البطاقة وأحاديث فضل التوحيد.

5-قول ابن كثير ومجموعة من العلماء

وقال ابن كثير رحمه الله- في "تفسيره" (7/472-473) في تفسير قول الله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ):

"وقوله: { إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } كقوله تعالى: { النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [الأنعام: 128].

وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء، على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "زاد المسير" وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن مَعْدَان، والضحاك، وقتادة، وأبي سِنَان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العُصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر.

ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله. كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمضمون ذلك من حديث أنس، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم من الصحابة ، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها.

وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.

وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن مسعود ، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، من الصحابة. وعن أبي مِجْلَز، والشعبي، وغيرهما من التابعين. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة -أقوال غريبة.([8]) وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير، عن أبي أمامة صُدَىّ بن عَجْلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم".

التعليق:

فهؤلاء مجموعة من العلماء: خالد بن معدان والضحاك وقتادة وأبو سنان وابن عباس والحسن يرون أن هذا الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين حين يشفعون في أصحاب الكبائر.

ثم تأتي بعد هذه الشفاعات رحمة أرحم الراحمين، فيخرج من النار من لم يعمل خيراً قط، وقال يوماً من الدهر : "لا إله إلا الله"، يخرجهم الله بما في قلوبهم من الإيمان،  ومع هؤلاء الأئمة الإمامان ابن جرير وابن كثير.

ومنشأ هذا إيمانهم بأحاديث الشفاعة التي لا يرفع بها رأساً الخوارج ومن على منهجهم كالفرقة الحدادية الخارجية.

وقال ابن كثير رحمه الله- في "تفسيره" (9/287) في تفسير قول الله تعالى في سورة مريم: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا).

قال رحمه الله-: " وقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) أي: إذا مرّ الخلائق كلهم على النار، وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بحسبهم، نجى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم. فجوازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود-وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: "لا إله إلا الله" وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال تعالى: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)".

التعليق:

انظر إلى قوله رحمه الله-: " وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان".

وانظر إلى قوله: " فيخرجون أولا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان...، حتى يخرجوا من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: "لا إله إلا الله" وإن لم يعمل خيرًا قط".

6-وقال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (23/288-290) في شرح حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة".

قال رحمه الله-: " وفيه أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير، وهذا محفوظ في غير ما حديث، وفيه دليل على أن من لم يصل من المسلمين في مشيئة الله -إذا كان موحدا مؤمناً بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم- مصدقا مقرا وإن لم يعمل، وهذا يرد قول المعتزلة والخوارج بأسرها، ألا ترى أن المقر بالإسلام في حين دخوله فيه -يكون مسلما قبل الدخول في عمل الصلاة وصوم رمضان بإقراره واعتقاده وعقدة نيته، فمن جهة النظر لا يجب أن يكون كافرا إلا برفع ما كان به مسلما- وهو الجحود لما كان قد أقر به واعتقده- والله أعلم.

وقد ذكرنا اختلاف العلماء في قتل من أبى من عمل الصلاة إذا كان بها مقرا -في باب زيد بن أسلم من هذا الكتاب- والحمد لله" .

تأمل قول ابن عبد البر جيدًا.

 

7-وقال ابن رجب رحمه الله- في "فتح الباري" (1/94-95):

" خرج البخاري ومسلم من حديث :

22 - عمرو بن يحي المازني ، عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال: " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله عز وجل : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة - شك : مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية " . قال البخاري : وقال وهيب : حدثنا عمرو: "الحياة"، وقال : " خردل من خير"".

.....وهذا يستدل به على أن الإيمان يفوق([9]) معنى كلمة التوحيد.

 والإيمان القلبي وهو التصديق لا تقتسمه الغرماء بمظالمهم؛ بل يبقى على صاحبه.

 لأن الغرماء لو اقتسموا ذلك لخلد بعض أهل التوحيد وصار مسلوبا ما في قلبه من التصديق وما قاله بلسانه من الشهادة.

 وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين ، فدل على بقائهما على جميع من دخل النار منهم.

 وأن الغرماء إنما يقتسمون الإيمان العملي بالجوارح ، وقد قال ابن عيينة وغيره: إن الصوم خاصة من أعمال الجوارح لا تقتسمه الغرماء - أيضا ".

التعليق:

انظر إلى قوله رحمه الله-: "...وإنما يخرج عصاة الموحدين من النار بهذين الشيئين..." ،  الإيمان القلبي والنطق باللسان.

وهذا فقه صحيح لكلام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى.

فهؤلاء أهل السنة وأئمتهم متفقون على القبول والتسليم بأحاديث الشفاعة والأخذ بها لفظًا ومعنى كما وردت عن الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

ولم يقل أحد منهم ولم يُشِر من قريب ولا من بعيد إلى أن أحاديث الشفاعة أو أن شيئًا منها من المتشابه، فعلى من يقول إنها من المتشابه أنْ يدرك خطورة قوله وخطورة مخالفته لأهل السنة وأئمتهم، بل مخالفته للرسول صلوات الله عليه وسلامه- وصحابته الكرام.

وبعد هذا: فقد يظن بعض الجهلاء أننا نحط من مكانة العمل.

 فبئس الظن هذا، فإنا ولله الحمد نؤمن من أعماق أنفسنا بما للعمل عند الله ورسوله والمؤمنين من مكانة رفيعة.

ونؤمن بنصوص الوعيد لمن لا يعمل بأوامر الله، ولا يجتنب نواهيه أو يرتكب شيئاً منها.

 وهي كثيرة في القرآن والسنة، وكم مرة ضربتُ مثلاً بمانع الزكاة، وأتلو الآية الكريمة: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).

وأذكر الحديث في الذي لا يؤدي الزكاة ، ألا وهو قوله صلى الله عليه وسلم-:

 "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف، سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالإبل قال ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار....إلخ. أخرجه مسلم في "صحيحه"، حديث (987).

وأضيف الآن قوله –صلى الله عليه وسلم-: "من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين"، أخرجه مسلم في "صحيحه"، حديث (1610).

وننكر أشد الإنكار على من يتهاون بأقل شيء من العمل، وحتى على من يقصر في القيام بالسنن والمستحبات.

وننكر أشد الإنكار على غلاة المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، ونذمهم أشد الذم، ونحذر منهم ومن مذهبهم.

بل ننكر أشد الإنكار على أصناف المرجئة الذين لا يدخلون العمل في الإيمان، ويزعمون أن الإيمان لا يزيد و لا ينقص.

وفي الوقت نفسه ننكر على الخوارج والمعتزلة الذين غلوا في نصوص الوعيد، فيُكفِّرون مرتكبي الكبائر من المسلمين، ويحكمون عليهم بالخلود في النار، ولا يحترمون نصوص الوعد.

ونسير على منهج أهل السنة من الصحابة والتابعين، وأئمة السنة والهدى من بعدهم بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، حتى لا يبقى منه في قلوب بعض العصاة إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من الإيمان.

ونؤمن بأحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد على النهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان، وهم أهل السنة، لا نحرف ولا نؤول ولا نقول: إنها من المتشابه.

نسأل الله أن يفقهنا في دينه، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، إن ربنا لسميع الدعاء.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه

ربيع بن هادي عمير المدخلي

فرغ منه في 29 من شهر صفر عام 1436هـ

 

 



[1]-أخرجه البخاري في كتاب العلم رقم (99) و ( 6570 )، وابن خزيمة في التوحيد رقم ( 444 ).

[2] - ولعله: "أليس الإيمان".

([3]) في الأصل: (بها) وهو خطأ.

([4]) في الأصل: (من الإيمان) وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه.

([5]) يشير إلى الحديث الذي أخرجه ابن ماجه (5/ 4228)، والترمذي (4/2325) وأحمد (4/230)، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ فَيُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مال هذا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِيهِ يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ كَانَ لِي مَالٌ مِثْلُ هَذَا عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاء).

[6] - والصواب: "لا تبلغها".

[7] - رواه الترمذي في "سننه" حديث (2594)، ثم قال: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ". ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن خزيمة في "التوحيد" من طرق، صرّح مبارك بن فضالة بالسماع في إحداهن، انظر حديث (451, 452, 453). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" حديث (833).وحسنه الألباني لأن مداره على مبارك بن فضالة. وابن فضالة قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق يدلس ويسوي". وقال الذهبي في "الكاشف": قال عفان ثقة من النساك وكان وكان. وقال أبو زرعة إذا قال: حدثنا، فهو ثقة، وقال النسائي: ضعيف".

([8]) يشير ابن كثير إلى ما نسب إلى هؤلاء الأئمة من القول بفناء النار، وهذا لا يثبت عنهم ولا عن أحد منهم، وحاشاهم من أن يقولوا بهذا القول الباطل، وقد استنكرها ابن كثير بوصفها بأنها أقوال غريبة.

[9] - كذا، ولعله يريد أن الإيمان أوسع من التوحيد؛ لأنه يشمل التوحيد والأعمال الصالحة.

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير