الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء] - الحلقة الثانية

وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء] - الحلقة الثانية


عدد الزيارات عدد الزيارات : 11245     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 4188

الحلقة الثانية

وقفات مع تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء]

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الجهني:

قال الإمام الحافظ الحجة محمد بن نصر المروزي (ت 294):

"قَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ الله تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَإِيجَابِ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ لِمَنْ قَامَ بِهَا وَالتَّغْلِيظِ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَهَا، وَالْفَرَقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْمَالِ فِي الْفَضْلِ وَعِظَمِ الْقَدْرِ، ثُمَّ ذَكَرْنَا الْأَخْبَارَ الْمَرْوِيَّةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُ مِنَ الْمِلَّةِ وَإِبَاحَةِ قِتَالِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ إِقَامَتِهَا، ثُمَّ جَاءَنَا عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِئْنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافَ([1]) ذَلِكَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِيجَابِ الْقَتْلِ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنَ إِقَامَتِهَا".

أقول:

وأهل السنة السابقون واللاحقون المكفرون لتارك الصلاة وغير المكفرين يعظمون قدر الصلاة ويؤمنون بمكانتها، ويشيدون لها المساجد؛ إعظامًا لقدرها، ويحكمون على تاركها بالفسق، والقتل، وشدة الإثم، ولا يقبلون له شهادة ولا رواية.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة (ص13):

"لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة ثم اختلفوا في قتله وفي كيفية قتله وفي كفره".

ثم تأمل قول الإمام محمد بن نصر رحمه الله:

"ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ فِي إِكْفَارِ تَارِكِهَا وَإِيجَابِ الْقَتْلِ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنَ إِقَامَتِهَا".

انظر إلى هذا الإمام كيف يصف المختلفين في تارك الصلاة بأنهم من أهل العلم، ولم يقل أهل السنة والمرجئة كما يقول الحداديون القطبيون.

ثم إنه يرى أن الاختلاف بين أهل العلم بعد النبي والصحابة.

وهذا يدل أن هذا الاختلاف وقع بين أهل العلم من عهد التابعين([2])، وممن ذكر الزهري وهو من التابعين فيمن لا يكفر تارك الصلاة وعدم ذكره لغير الزهري([3]) من التابعين لا ينفي وجود من يشارك الزهري من التابعين ممن لا يكفر تارك الصلاة.

ثم انظر إلى عدل وإنصاف أهل السنة جميعًا، واحترام بعضهم لبعض حيث يحكي الطرفان هذا الاختلاف ويسوق كل طرف أدلته.

ولا يطعن بعضهم في بعض؛ لأن كل طرف يدرك أن الطرف الذي يخالفه مجتهد يريد الحق، وأنه ليس عنده هوى وإنما يعتمد على نصوص من الكتاب والسنة.

قارن بين منهج علماء السنة ومنهج الخوارج الحدادية تجدهم أشد على أهل السنة وأفجر في خصومتهم لأهل السنة من الخوارج السابقين.

وانظر إلى هذا الحدادي يعترف هنا أن الخلاف حدث بعد عصر الصحابة.

وانظر إلى قوله (ص1) من مقاله هذا: "فإن من غربة السنة في هذا الزمن المتأخر أن بعض المسائل التي أجمع عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين, صار الخلاف فيها خلافا معتبرا".

فهل يدرك هذا الجاهل أنه يتكلم بغير علم وأنه يخالف محمد بن نصر وغيره من العلماء، وأنه يطعن في أهل السنة حقًّا بغيًا منه وعدوانًا؟!

وليس له سلف في هذا الطعن إلا الخوارج وأهل البدع من المنصورية الذين يقولون في أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة تكاسلًا بأنهم مرجئة، ويقولون: هذا يؤدي إلى أن الإيمان قول بلا عمل.

انظر [البرهان في عقائد أهل الإيمان] لأبي الفضل السكسكي اليمني (ص94-96).

فهؤلاء هم سلف الحدادية ولاسيما أهل البدع من المنصورية.

وأهل السنة السابقون واللاحقون بريئون من هذه الفرقة الحدادية ومن أقوالها الباطلة وأصولها الفاسدة القائمة على البغي والجهل والهوى القاتل.

قال الجهني الحدادي (ص5):

"فهذا الذي أريد أن يعرفه طالب العلم المتبع للسنة أن هذه المسألة محدثة,  لم يعرفها السلف الأولون,  أي الحكم على تارك الصلاة بأنه مسلم,  شهد بهذا الحافظ محمد بن نصر وهو منقطع النظير في اطلاعه على الأقوال والمذاهب,  حتى قال ابن حزم الظاهري في بعض تواليفه: أعلم الناس من كان أجمعهم للسنن,  وأضبطهم لها,  وأذكرهم لمعانيها,  وأدراهم بصحتها,  وبما أجمع الناس عليه مما اختلفوا فيه".

أقول:

1)  إن الحدادية ليسوا من أهل السنة، بل هم من أعداء أهل السنة السابقين واللاحقين، ومن أشد المحاربين لهم ولمنهجهم وأصولهم.

2)  هذه المسألة لا يجوز أن يطلق عليها أنها محدثة؛ لأن هذا وصف لها ولأهلها بأنهم مبتدعة، وأن القول بعدم تكفير تارك الصلاة بدعة ضلالة، فهذا الوصف لها إنما هو من أقوال الخوارج والمنصورية من أهل البدع، وهم سلف الحدادية.

3)  لا ندري ما هو مراد هذا الحدادي بقوله: "لم يعرفها السلف الأولون"، أهم الصحابة فقط، أم معهم التابعون ومن بعدهم من أهل القرون المفضلة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ

وهل أهل القرن الثالث والطائفة المنصورة التي لا تزال على الحق إلى أن يأتي وعد الله يعدون من السلف، أو هم من الفرق الضالة عند الحدادية؟

4)  نقل هذا الحدادي إشادةَ ابن حزم بالإمام محمد بن نصر لغرض باطل ليثبت تبديع من قال من أهل السنة بعدم تكفير تارك الصلاة وهم جمهور أهل السنة من فقهاء ومحدثين.

وقال الحدادي المسفسط في (ص12):

"ولله در السلف! ما أعظم فقههم وعلمهم,  حيث أجمعوا على أن الإيمان قول وعمل,  فكان لابد أن يجمعوا على أن تارك الصلاة كافر,  وهو الإجماع الصحيح الثابت عنهم,  وإلا تناقضوا بين قولهم في الإيمان,  وقولهم في الصلاة. وهذا الذي تسعى إليه المرجئة المعاصرة: إثبات أن السلف اختلفوا في حكم تارك الصلاة لتضرب من خلاله إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل لا يصح الإيمان إلا بهما".

أقول:

1-إن دعوى هذا الإجماع لا تثبت على محك النقد، ولقد بينا بطلان دعوى الإجماع بما يقنع ذوي الدين والعقل والمروءة بالأدلة الواضحة الجلية، وعلى منهج السلف في نقد الأحاديث والآثار وبيان صحيحها من ضعيفها من موضوعها.

أما أهل الجدال بالباطل فلا تنفعهم الأدلة والبراهين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يريد هذا الجهول أن يرمي جمهور أهل السنة بمخالفة الإجماع الثابت ومخالفة الإجماع الثابت كفر، فجمهور أهل السنة كفار على تقرير هذا الجهول الظالم.

2-إذا كان يلزم من عدم تكفير تارك الصلاة نقض القول بأن الإيمان قول وعمل عند هذا المبطل، فيلزم أيضًا منه أن القول بعدم تكفير تارك الزكاة والصيام والحج وما بعدها من الأعمال مناقضة لهذا القول.

3-وقوله: "وهذا الذي تسعى إليه المرجئة المعاصرة: إثبات أن السلف اختلفوا في حكم تارك الصلاة لتضرب من خلاله إجماعهم على أن الإيمان قول وعمل لا يصح الإيمان إلا بهما".

أقول:

       كذبت وقوَّلتَ أهل السنة بما لم يخطر ببالهم، وطعنك هذا يتناول جماهير أهل السنة ويخرجهم من دائرة السنة وأهلها، فأنت وحزبك لا ترقبون في أهل السنة إلًّا ولا ذمة، فترمونهم بالفواقر.

وقال هذا الحدادي الجهول (ص13):

"فنصيحتي لك أيها السني,  إذا قال لك المرجئ المعاصر: ما تقول في تارك الصلاة تهاونا وكسلا؟

فاعلم أن له قصدا من ذلك,  فاقطع عليه طريق التشغيب وقل له:

هو كافر بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. والخلاف في هذه المسألة خلاف محدث لا قيمة لها([4]) عندي,  وإن ذهب إليه من ذهب من المتأخرين.

فإنك إن سلمت له بصحة هذا الخلاف واعتباره,  ردك إلى مذهبه الإرجائي,  أو انتزع منك اقرارا بصحة ما هو عليه من الإرجاء. أو أوقعك في التهافت".

أقول:

1)  هل الحدادية الخوارج الغلاة من أهل السنة حتى تقدم لهم هذه النصيحة السوفسطائية؟

وهل أهل السنة بحاجة إلى أن يسألوا أحدًا من الحدادية الجهلاء والخوارج؟

2)  وقولك: "قل هو كافر بالكتاب والسنة والإجماع".

أقول:

تردادك لدعوى الإجماع يصدق عليه تكذيب الإمام أحمد لأمثال المريسي والأصم وأمثالهما في دعاواهم الإجماع.

"ومما يدفع دعوى الإجماع قول شيخ الإسلام رحمه الله: وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين". مجموع الفتاوى (20/ 97)، فهذا القول من هذا الإمام يبطل دعاوى الإجماع  التي يرددها الحدادية الخوارج.

وفي الكتاب (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) في آيتين، فهذا من الأدلة على أن تارك الصلاة ليس بكافر؛ لأنه ليس بمشرك يعبد الأنداد مع الله.

وأما السنة ففيها إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وإطلاق الكفر على أعمال أخرى مثل قوله صلى الله عليه وسلم:

1-(من قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما).

2-وقوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

3-و(من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).

4-وقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن قال: مطرنا بنوء كذا. فهو كافر بالله مؤمن بالكوكب).

5-وقوله صلى الله عليه وسلم: (شارب الخمر كعابد الوثن).

والخوارج يكفرون هذه الأصناف وهم أسلافك فاصدع بقولهم وإلا تكون على منهجك الباطل مخالفا للكتاب والسنة وإجماع الخوارج.

أما أهل السنة جميعا فيطلقون الكفر على هذه الأصناف، ويقولون إنه كفر دون كفر. ([5])

ويمنعهم من إطلاق الكفر  الأكبر الكتاب والسنة.

أما القرآن فمنه الآيتان السابق ذكرهما.

وأما السنة فأحاديث الشفاعة، ومنها:

1-حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه وفيه الشفاعة لأصناف من أهل النار من هذه الأمة:

الصنف الأول: المصلون الصائمون القائمون بالحج.

فهؤلاء مع قيامهم بهذه الأركان دخلوا النار بذنوبٍ أوبقتهم فمن لا يقوم بهذه الأركان أشد منهم عذابًا وأشد.

والصنف الثاني: من في قلبه مثقال دينار من خير.

الثالث: من في قلبه مثقال ذرة من خير.

والصنف  الرابع: من لم يعملوا خيرًا قط، يخرجهم الله أرحم الراحمين من النار بمحض رحمته، ثم بما في قلوبهم وألسنتهم من التوحيد مهما ضعف.

2-وحديث أنس المتفق عليه، وفيه الشفاعة لعدد من الأصناف ومنهم:

(من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان).

هؤلاء يخرجون من النار بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما في قلوبهم وألسنتهم من الإيمان.

وصنف رابع يشفع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من قال قال: لا إله إلا الله. مخلصًا فيها، فيقول الله له: ليس ذلك لك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله.

3-وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا).

أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، والبغوي في شرح السنة.

4-حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وابن خزيمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا).

5-وحديث ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والطبراني وفيه: (وأُعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا).

6-وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفيه: (فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وعنه المنذري في [الترغيب والترهيب]، والهيثمي في [مجمع الزوائد].

7-حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفيه: (واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في القيامة وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا) أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبزار في مسنده.

8-وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه: (وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة، وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والرُّوياني في مسنده، وصححه ابن كثير.

9-وحديث آخر لأبي ذر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال: بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) قلت: وإن زنى وإن سرق. قال: (وإن زنى وإن سرق). متفق عليه.

10-      وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وفيه: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حرم الله عليه النار).

أخرجه الترمذي في [باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله] وقال: "حسن صحيح غريب من هذا الوجه".

فهذه الأحاديث منعت جمهور أهل السنة من تكفير تارك الصلاة، وقولهم هو الراجح؛ لأنه يجمع بين الأدلة كلها ولا يأخذ بعضها ويدع البعض الآخر.

وقال الترمذي: "وقد روي عن الزهري أنه سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) فقال: إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض".

فتعقبه بقوله: "ووجه هذا الحديث عند أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا بالنار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار".

أقول:

الظاهر أن إجابة الزهري إنما بناها على السؤال بنص هذا الحديث الذي ظاهره أن من قال لا إله إلا الله. دخل الجنة، ولو ارتكب قائلها الكبائر، ولا يدخل النار بذنوبه.

ولو أراد رحمه الله غير هذا، فكلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله رحمه الله: "إنما كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض".

يرده أن هذه الأحاديث غالبها أو كلها بعد نزول الفرائض ولاسيما أحاديث أبي هريرة، وأبي ذر، وأبي موسى، وعبد الله بن عمرو.

11-      حديث أبي هريرة في غزوة تبوك، ومنه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم.

12-      وحديث عبد الله بن عمرو عن صاحب البطاقة والسجلات، انظر (ص15) من أحاديث الشفاعة.

ثم نقول لمن يتعلق بهذا القول كالخوارج: ما تقولون في أحاديث فضل التوحيد، وأحاديث الشفاعة التي ذكرنا بعضها؟

فإن قالوا: هي صحيحة ونقول بمضامينها ودلالاتها.

فنقول: يجب أن تنضموا إلى أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة؛ فإن هذه الأحاديث واضحة في أنه يخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال خردلة من إيمان.

وهي واضحة في أنهم يخرجون من النار بما عندهم من الإيمان الضعيف إلى نهاية الضعف، ثم بما عندهم من التوحيد.

ودعوا دعاوى الإجماع التي مؤداها التنكر لهذه الأحاديث والطعن في جمهور أهل السنة بما فيهم الشافعي.

ومالك، وأحمد، بل على قول شيخ الإسلام يتناول هذا الطعن الصحابة والتابعين الذين لا يكفرون تارك الصلاة.

ثم إن الذي يأخذ بهذه الأحاديث هو آخذ بأحاديث تكفير تارك الصلاة؛ لأنه يقول بأن تارك الصلاة يستحق القتل في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة.

ويقول: يوصف بالكفر الذي لا يخرجه من الإسلام.

وهذا ليس بقول غريب، فكثير من أصناف العصاة أطلق عليهم الكفر، فحمل هذا على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من دائرة الإسلام، فكذا يقال في تارك الصلاة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي يجمع بين أحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة وبين الأحاديث التي يطلق فيها الكفر على أهل الكبائر.

فالراجح أن تحمل النصوص في تكفير تارك الصلاة على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من ملة الإسلام كما حملت النصوص في تكفير الأصناف الأخرى على الكفر الأصغر.

هذا مع احترام أهل السنة بعضهم لبعض، فالذين يكفرون تارك الصلاة لا يطعنون في إخوانهم أهل السنة الذين لا يكفرونه؛ لأنهم يرون أن لهم الأدلة الكثيرة التي تمنعهم من تكفير تارك الصلاة، وكلهم مجتهدون، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد.

وهذا المنهج الصحيح لا يؤمن به الخوارج ولا الروافض، والحدادية تسير على منهج هؤلاء الضالين.

هذه حجج وبراهين أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة، وهذا منهجهم في هذا الباب وغيره من أبواب الدين.

وليسوا مقلدين للأشاعرة أهل الكلام كما يقوله أهل الإفك الحاقدون على أهل السنة.

وقال الحدادي في (ص13):

"فإن قال لك: قد ذهب إلى عدم تكفير تارك الصلاة مالك والشافعي وأحمد في رواية.

فقل له: بيني وبينك الأسانيد,  فأين الإسناد عن مالك أو عن الشافعي,  وهذه كتب مالك والشافعي ليس فيها شيء من ذلك,  وأما الإمام أحمد رحمه الله فهو أبعد الثلاثة عن هذا القول لكثرة الروايات عنه في كفر تارك الصلاة".

أقول:

1)  في هذا الكلام تكذيب لأئمة السنة الذين ينقلون عن هؤلاء الأئمة أنهم لا يكفرون تارك الصلاة، ينقلون هذا عن جمهور أهل السنة وعن أهل الحديث، وعن هؤلاء الأئمة الثلاثة، وهذا التكذيب لا يصدر إلا عن جهول لا يقيم وزنًا لأهل السنة ولا لأدلتهم ولا لعلمائهم إذا خالفوا جهله وهواه.

2)  هات إسنادك إلى الإمام مالك أنه يكفر تارك الصلاة، وهات المصادر التي تنقل عن مالك تكفير تارك الصلاة، وما هي كتب مالك  التي تنص على تكفير تارك الصلاة؟

وها هو الإمام مالك يورد حديثًا يدل على عدم تكفير تارك الصلاة.

ألا وهو حديث عبادة بن الصامت الذي أورده في [الموطأ] (1/123) في كتاب صلاة الليل باب الأمر بالوتر.

قال رحمه الله: وعن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات كتبهن الله عز و جل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة).

فلو كان مالك يرى كفر تارك الصلاة لبين مذهبه هنا.

وإذن فإيراده وعدم الاعتراض عليه من الأدلة على أنه لا يرى كفر تارك الصلاة.

1-وقال ابن عبد البر في كتاب [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد] (23/290) في شرح هذا الحديث بعد كلامه على رجال الإسناد وتبيين صحة هذا الحديث، قال:

"وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ المُفْتَرَضَاتِ خَمْسٌ لَا غَيْرَ وَهَذَا مَحْفُوظٌ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي مَشِيئَةِ الله إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا مُقِرًّا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ بِأَسْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ المُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ فِي حِينِ دُخُولِهِ فِيهِ يَكُونُ مُسْلِمًا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ بِإِقْرَارِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَعُقْدَةِ نِيَّتِهِ فَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا إِلَّا بِرَفْعِ مَا كَانَ بِهِ مُسْلِمًا وَهُوَ الْجُحُودُ لِمَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ وَاعْتَقَدَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ".

ولو كان ابن عبد البر الإمام الفحل يعلم أن مالكًا يكفر تارك الصلاة لبين ذلك وصرح به.

2-وقال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في [التمهيد] (4/230-231) بعد أن ذكر قول الذين يكفرون تارك الصلاة وأدلتهم على كفره وقتله، قال:

"وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَانٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ الْإِمَامُ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ صَلِّ فَإِنْ قَالَ لَا أُصَلِّي سُئِلَ فَإِنْ ذَكَرَ عِلَّةً تَحْبِسُهُ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ فَإِنْ أَبَى مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا قَتَلَهُ الْإِمَامُ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ مَا دَامَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَائِمًا يُسْتَتَابُ فِي أَدَائِهَا وَإِقَامَتِهَا فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَوَرِثَهُ ورثته وهذا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمَذْهَبُهُمْ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ عَنْ مَالِكٍ".

ثم قال:

"وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ.

وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ هَذَا المَذْهَبَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَحَلَّ دِمَاءَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ: وَالله لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. فَقَاتَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَرَاقَ دِمَاءَهُمْ لِمَنْعِهِمُ الزَّكَاةَ وَإِبَايِتِهِمْ مِنْ أَدَائِهَا، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَبَى مِنْ إِقَامَتِهَا كَانَ أَحْرَى بِذَلِكَ".

فهو هنا ينص على مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله وغيرهما، وساق أدلتهم على عدم تكفيره.

فهل جهال الحدادية أعلم من هذا الإمام وأمثاله الذين ينصون على مذهب الإمامين مالك والشافعي وغيرهما بأنهم لا يكفرون تارك الصلاة، ومع ذلك يرون وجوب قتله وأنهم يرون أن ورثته المسلمين يرثونه.

3-وقال ابن عبد البر رحمه الله في (4/238):

"وَقَدْ رَأَى مَالِكٌ اسْتِتَابَةَ الْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ فَإِنْ تَابُوا والا قتلوا ذكر ذلك إسماعيل الْقَاضِي عَنْ أَبِي ثَابِتٍ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ: قُلْتُ لِأَبِي ثَابِتٍ هَذَا رَأْيُ مَالِكٍ فِي هَؤُلَاءِ حَسْبُ؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ أَهْلِ الْبِدَعِ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا رَأَى مَالِكٌ ذَلِكَ فِيهِمْ لِإِفْسَادِهِمْ فِي الْأَرْضِ وَهُمْ أَعْظَمُ إِفْسَادًا مِنَ الْمُحَارِبِينَ؛ لِأَنَّ إِفْسَادَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ إِفْسَادِ الْمَالِ لَا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: فَهَذَا مَالِكٌ يُرِيقُ دِمَاءَ هَؤُلَاءِ وَلَيْسُوا عِنْدَهُ كُفَّارًا فَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَتْلُهُ لَا مِنْ جِهَةِ الكفر".

وفي هذا المقطع ينص على أن مالكًا لا يكفر الإباضية والقدرية ولا تارك الصلاة، وأنه يرى قتلهم، فهل ينطلق ابن عبد البر من منهج الأشاعرة والمتكلمين؟!

ومن أئمة السنة المالكية: الإمام ابن سحنون، والإمام ابن أبي زيد القيرواني، يقولان وينقلان عن العلماء القول بعدم كفر تارك الصلاة مع إقراره بوجوبها:

سئل الإمام ابن أبي زيد القيرواني (310-386) عن تارك الصلاة عمدا، وهو مُقرٌّ بها، هل يُزوج مسلمة، وتؤكل ذبيحته؟

فأجاب: «أتى عظيما من الكبائر، ولايُخرجه ذلك من الإسلام، وتؤكل ذبيحته، ويُصلى عليه، ويورث ويُناكح، وهو قول مالك وشعبة خلافا لابن حبيب، فإنه يُكفِّره, وقد أفرط في القول, وإن كان روى عنه عليه أفضل وأشرف السلام: (ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة), فلم يحمله العلماء على كفر الحجة, واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت وفيه: (أنه ليس له عند الله عمل؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء أدخله الجنة) الحديث, فلو كان كافرا لحرَّم الجنة عليه لأنها محرمة عليهم».

المصدر: فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص:104) ط. دار الغرب الإسلامي.

وله فتاوى أخرى بهذا المعنى.

وسئل الإمام أبو عبد الله محمد بن سحنون (202هـ-256هـ)  كما في «فتاوى ابن سحنون» (ص438439) عن تارك الصلاة من غير عذر وما حكمه؟

قال -رحمه الله-: "ذلك على وجهين:

إذا جحد وجوبها وقال: ليست بواجبة عليّ ولا على أحد، أو أنكر وجوب الوضوء أو الصوم أو الزكاة، أو جحد فرضاً من فرائض الإسلام أي فرض كان، فحكمه حكم المرتد يستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب وتمادى على جحده قُتل كفراً.

واختلف في ماله، فقيل: يكون في بيت مال المسلمين إن كان بيت المال صالحاً, وإن كان ظلوماً غشوماً فيفرق بين الفقراء والمساكين.

وقيل: ماله لورثته من المسلمين.

وإن ترك الصلاة تهاوناً بها وعجزاً وتفريطاً، وهو مقر بوجوبها، فإنه يؤدب ويعاقب عقوبة شديدة ؛ لأن ترك الصلاة من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب عند الله تعالى، وهذا إذا أقر بوجوبها ووعد بفعلها.

وإذا أقر بوجوبها وامتنع من أدائها، وقال: لا أصلي، فإنه يُنظر إلى خروج الوقت الذي أمر فيه بالصلاة، فإن لم يصلها قُتل، واختلف في قتله:

فقيل: يقتل حدّاً ويدفن في مقابر المسلمين ويرثه ورثته المسلمون، لأنه مؤمن عاص، وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. ([6])

وقيل: يقتل كفراً ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويكون ماله لبيت مال المسلمين، وهو قول ابن حبيب وجماعة من التابعين، وسندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين العبد المؤمن والكافر ترك الصلاة)، ظاهر الحديث على أي وجه تركها، وقال جمهور العلماء: معنى الحديث: إذا تركها جاحداً لوجوبها».

المصدر: فتاوى ابن سحنون، محمد بن عبد السلام بن سعيد التنوخي القيرواني المالكي، دار النشر:دار ابن القيم-الرياض، دار ابن عفان- مصر، ط1، 1432هـ/2011م.

وقد وصف شيخ الإسلام  ابن تيمية رحمه الله ابن سحنون [202هـ-256هـ] بالإمامة وعده قريباً من طبقة الائمة الشافعي وأحمد وابن راهويه كما في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص/512-513).

وقال الجهني الحدادي المكابر (ص13-14):

"وأما الشافعي رحمه الله فقد نقل عنه تلميذه المزني وهو أعلم الناس به القول بكفر تارك الصلاة.

قال المزني في "المختصر" ص53: قال الشافعي: "يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر: لا يصليها غيرك,  فإن صليت وإلا استتبناك,  فإن تبت وإلا قتلناك كما يكفر فنقول: إن آمنت وإلا قتلناك. وقد قيل يستتاب ثلاثا فإن صلى فيها، وإلا قتل وذلك حسن إن شاء الله".

أقول:

1-إن كلام الشافعي هنا يدل على عدم تكفيره لتارك الصلاة؛ لأنه لم ينص على كفره وإنما على استتابته؛ فإن تاب وإلا قتل.

2-وقوله: "كما يكفر فنقول: إن آمنت وإلا قتلناك".

يريد بهذا القول قياس قتل تارك الصلاة على قتل المرتد، ولا يريد بهذا كفر تارك الصلاة؛ فقد غاير بينهما، فذاك يقتل لأنه تارك للصلاة وهذا يقتل لأنه مرتد كافر بالإسلام.([7])

3-يوضحه أن الإمام الشافعي رحمه الله قاس قتل تارك الصلاة على قتال مانعي الزكاة محتجًّا بقتال أبي بكر لمانعي الزكاة.

ففي [الأم] (1/255):

"[الْحُكْمُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ]

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قِيلَ لَهُ لِمَ لَا تُصَلِّي؟ فَإِنْ ذَكَرَ نِسْيَانًا قُلْنَا فَصَلِّ إذَا ذَكَرْت، وَإِنْ ذَكَرَ مَرَضًا قُلْنَا: فَصَلِّ كَيْفَ أَطَقْت قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا. فَإِنْ قَالَ: أَنَا أُطِيقُ الصَّلَاةَ، وَأُحْسِنُهَا، وَلَكِنْ لَا أُصَلِّي وَإِنْ كَانَتْ عَلَيَّ فَرْضًا. قِيلَ لَهُ: الصَّلَاةُ عَلَيْك شَيْءٌ لَا يَعْمَلُهُ عَنْك غَيْرُك، وَلَا تَكُونُ إلَّا بِعَمَلِك فَإِنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا اسْتَتَبْنَاك فَإِنْ تُبْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَعْظَمُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَالْحُجَّةُ فِيهَا مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: "لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ، لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ".

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَذْهَبُ فِيمَا أَرَى، وَاَلله تَعَالَى أَعْلَمُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاتَلُوا مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ إذْ كَانَتْ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَنَصَبَ دُونَهَا أَهْلُهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُمْ طَائِعِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا مَقْهُورِينَ عَلَيْهَا فَتُؤْخَذُ مِنْهُمْ كَمَا تُقَامُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودُ كَارِهِينَ وَتُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ بِزَكَاةٍ أَوْ دَيْنٍ كَارِهِينَ أَوْ غَيْرَ كَارِهِينَ فَاسْتَحَلُّوا قِتَالَهُمْ وَالْقِتَالُ سَبَبُ الْقَتْلِ فَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ تَارِكُهَا فِي أَيْدِينَا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنَّا فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الصَّلَاةِ مِنْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ يَدَيْهِ مِثْلُ اللُّقَطَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْمَالِ.

قُلْنَا: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاك، كَمَا يَكْفرُ، فَنَقُولُ: إنْ قَبِلْت الْإِيمَانَ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك إذْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِك، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ، وَالْإِيمَانُ مُخَالِفَيْنِ مَعًا مَا فِي يَدَيْك، وَمَا نَأْخُذُ مِنْ مَالِك لِأَنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ الْحَقِّ مِنْك فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَرِهْت.([8]) فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شُهُودٌ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ سُئِلَ عَمَّا قَالُوا فَإِنْ قَالَ: كَذَبُوا، وَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ صُدِّقَ، وَإِنْ قَالَ: نَسِيت صُدِّقَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ صَلَّى جَالِسًا، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنْ قَالَ: أَنَا مَرِيضٌ أَوْ تَطَوَّعْت صُدِّقَ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ قِيلَ يُسْتَتَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى حَسَنٌ؛ فَإِنْ صَلَّى فِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُصَلِّيهَا فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْرِبُهُ وَأَحْبِسُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَحْبِسُهُ، وَلَا أَضْرِبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَضْرِبُهُ، وَلَا أَحْبِسُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ".

انظر إلى قوله: [الْحُكْمُ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ] ولم يقل: الحكم في المرتد.

ثم انظر كيف استدل الإمام الشافعي هنا على قتل تارك الصلاة بقول أبي بكر رضي الله عنه في مانعي الزكاة: "لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا أَعْطَوْا رَسُولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتهمْ عَلَيْهِ، لَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ اللهُ".

ثم ساق دليل أبي بكر وهو قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}.

وانظر قوله: "وَأَخْبَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ".

ثانيًا: قاس الإمام الشافعي مرة أخرى قتل تارك الصلاة على قتل المرتد، فقال: "كَما يَكْفرُ، فَنَقُولُ: إنْ قَبِلْت الْإِيمَانَ، وَإِلَّا قَتَلْنَاك إذْ كَانَ الْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلِك".

ولم يقل لتارك الصلاة: إن قبلت الإيمان وإلا قتلناك. إذ لا يكون الإيمان إلا بقولك؛ لأنه عنده مسلم غير كافر، وهذا كلام واضح جلي في تفريقه بين المرتد عن الإسلام وبين تارك الصلاة.

وانظر إلى قول هذا الإمام: "وَقَدْ قِيلَ يُسْتَتَابُ تَارِكُ الصَّلَاةِ ثَلَاثًا، وَذَلِكَ إنْ شَاءَ الله تَعَالَى حَسَنٌ؛ فَإِنْ صَلَّى فِي الثَّلَاثِ، وَإِلَّا قُتِلَ".

وهؤلاء الذين حكى كلامهم لا يبعد أنهم من السابقين له.

فحكم عليه بعد الاستتابة ثلاثًا بالقتل ولم يحكم عليه هو وغيره بالكفر والردة، وهذا واضح جلي عند من يعقل ويدرك معنى هذا الكلام.

ثم حكى الإمام الشافعي خلاف من خالفه في قتل تارك الصلاة، فقال:

"وَقَدْ خَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ إذَا أُمِرَ بِهَا، وَقَالَ: لَا أُصَلِّيهَا فَقَالَ: لَا يُقْتَلُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَضْرِبُهُ وَأَحْبِسُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَحْبِسُهُ، وَلَا أَضْرِبُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَضْرِبُهُ، وَلَا أَحْبِسُهُ، وَهُوَ أَمِينٌ عَلَى صَلَاتِهِ".

فلم يقل: كيف تقولون هذه الأقوال فيمن هو كافر كافر بالله، ولم يحكم على أهل هذه الأقوال بالإرجاء، كيف وفي القائلين بعدم قتله الإمام الزهري!.

ثم استمر الإمام الشافعي في نقاش من لا يرى قتل تارك الصلاة نقاشًا علميًّا ولو كان الشافعي يرى كفره لقال: كيف تجادلون في قتل كافر مرتد.

وأقول:

لقد تجلى للقارئ النبيل أن الشافعي من أبعد الناس عن تكفير تارك الصلاة وأنه مع عدم تكفيره له يرى استتابته فإن تاب وصلى وإلا وجب قتله.

ومما يؤكد أن الإمام الشافعي لا يرى كفر تارك الصلاة وبعده عن ذلك قوله في [الأم] (1/69):

"ذَكَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الِاسْتِئْذَانَ فَقَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: 59] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] وَلَمْ يَذْكُرْ الرُّشْدَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ النِّكَاحِ وَفَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجِهَادَ فَأَبَانَ رَسُولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِهِ عَلَى مَنْ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً بِأَنْ «أَجَازَ ابْنَ عُمَرَ عَامَ الْخَنْدَقِ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَرَدَّهُ عَامَ أُحُدٍ ابْنَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً» فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ غَيْرَ مَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمَا، أَوْجَبْتُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالْفَرَائِضَ كُلَّهَا، وَإِنْ كَانَا ابْنَيْ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَآمُرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالصَّلَاةِ إذَا عَقَلَهَا فَإِذَا لَمْ يَعْقِلَا لَمْ يَكُونَا كَمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَأُؤَدِّبُهُمَا عَلَى تَرْكِهَا أَدَبًا خَفِيفًا وَمَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ بِعَارِضِ مَرَضٍ أَيِّ مَرَضٍ كَانَ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْفَرْضُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197] وَقَوْلِهِ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ} [الرعد: 19] وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا لَا يُخَاطَبُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إلَّا مَنْ عَقَلَهُمَا".

انظر إلى قول هذا الإمام: "فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ الْحُلُمَ وَالْجَارِيَةُ الْمَحِيضَ غَيْرَ مَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمَا، أَوْجَبْت عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالْفَرَائِضَ كُلَّهَا".

ثم انظر إلى قوله: "وَأُؤَدِّبُهُمَا عَلَى تَرْكِهَا أَدَبًا خَفِيفًا".

فمن هذا واقعه وموقفه من تارك الصلاة هنا وهناك، فكيف تصح دعوى من يقول: إنه يكفر تارك الصلاة.

وبعد ظهور واتضاح مذهب هذا الإمام من نص كلامه في عدم تكفيره لتارك الصلاة فمن ينسب إليه أنه يكفره فهو مكابر معاند كمن ينكر ظهور الشمس في كبد السماء.

أضف إلى هذا نقول العلماء الكبار عنه رحمه الله أنه ممن لا يكفر تارك الصلاة.

وقال الجهني الحدادي:

"فإن قيل: إن محمد بن نصر قد نسب إلى الشافعي القول بعدم التكفير.

فالجواب: أن محمد بن نصر لم يذكر إسناده إلى الشافعي. فإسناده إلى الشافعي مجهول, ولا يترك الشيء المعلوم للشيء المجهول. بل قال الفقهاء "المجهول كالمعدوم".

أقول:

مسكين هذا الحدادي، يبالغ في الإشادة بالإمام محمد بن نصر وبمكانته العظيمة، فإذا قال قولًا حقًّا وثابتًا نسي وتجاهل تلك المكانة.

فانظر إليه كيف يطعن في نقله الحق لمذهب الإمام الشافعي في تارك الصلاة والذي ما قاله إلا عن علم، فيحكم هذا الجهول بأنه ليس للإمام محمد بن نصر إسناد إلى الشافعي، بل إسناده مجهول، والمجهول عند الفقهاء كالمعدوم.

وهنا يعتد بكلام الفقهاء الذين يطعن فيهم وأنهم إنما تلقوا الحكم بعدم تكفير تارك الصلاة من المبتدعة الأشاعرة المرجئة.

فغلب هواه الآن حكمه السابق عليهم في عدم قبول كلامهم إلى قبول كلامهم في مثل إسناد محمد بن نصر إلى الإمام الشافعي.

وهاك ما يدحض هذا الهراء والخرص تجاه محمد بن نصر رحمه الله ونقله لمذهب الإمام الشافعي في عدم تكفيره لتارك الصلاة:

قال الحافظ الذهبي في ترجمته في [سير أعلام النبلاء] (14/33-34):

مُحَمَّدُ بنُ نَصْر بنِ الحَجَّاجِ المَرْوَزِيُّ الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَافِظُ.

مَوْلِدُهُ بِبَغْدَادَ، فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَمائَتَيْنِ، وَمَنْشَؤُهُ بِنَيْسَابُوْرَ، وَمَسْكَنُهُ سَمَرْقَنْدُ. كَانَ أَبُوْهُ مَرْوَزِيّاً، وَلَمْ يُرْفَعْ لَنَا فِي نَسَبِهِ.

ذَكَرَهُ الحَاكِمُ، فَقَالَ: إِمَامُ عَصْرِهِ بِلاَ مُدَافعَةٍ فِي الحَدِيْثِ.

سَمِعَ بِخُرَاسَانَ مِنْ: يَحْيَى بنِ يَحْيَى التَّمِيْمِيِّ، وَأَبِي خَالِدِ يَزِيْدَ بنِ صَالِحٍ، وَعُمَرَ بنِ زُرَارَةَ، وَصَدَقَةَ بنِ الفَضْلِ المَرْوَزِيّ، وَإِسْحَاقَ بنِ رَاهْوَيْه، وعلي ابن حجر. وبالري: محمد بن مهران الحمال، ومحمد بن مقاتل وَمُحَمَّدَ بنَ حُمَيْدٍ، وَطَائِفَةٍ. وَبِبَغْدَادَ: مُحَمَّدَ بنَ بكار بن الرَّيَّانِ، وَعُبَيْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ القَوَارِيْرِيّ، وَالطَّبَقَة. وَبِالبَصْرَة: شَيْبَانَ بنَ فَرُّوخٍ، وَهُدْبَةَ بنَ خَالِدٍ، وَعبدَالواحدِ بنَ غِيَاثٍ، وَعِدَّةً. وَبَالكُوْفَةِ: مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ، وَهَنَّاد، وَابنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَطَائِفَةً. وَبَالمَدِيْنَةِ: أَبَا مُصْعَبٍ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنَ المُنْذِرِ الحِزَامِيّ، وَطَائِفَةً. وَبَالشَّامِ: هِشَامَ بنَ عَمَّارٍ، وَدُحَيْماً.

قُلْتُ: وَبِمِصْرَ مِنْ: يُوْنُسَ الصَّدَفيِّ، وَالرَّبِيْعِ المُرَادِيِّ، وَأَبِي إِسْمَاعِيْلَ المُزَنِيّ، وَأَخَذَ عَنْهُ كُتُبَ الشَّافِعِيّ ضَبْطاً وَتفَقُّهًا. وَكَتَبَ الكَثِيْرَ، وَبَرَعَ فِي عُلُومِ الإِسْلاَمِ، وَكَانَ إِمَاماً مُجْتَهِداً عَلاَّمَةً، مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِاخْتِلاَفِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ، قلَّ أَنْ تَرَى العُيُونَ مِثْلَهُ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ: حَدَّثَ عَنْ: عَبْدَانَ بنِ عُثْمَانَ. ثُمَّ سمَّى جَمَاعَةً، وَقَالَ: كَانَ مِنْ أَعْلَمِ الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام.

قُلْتُ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْلَم الأَئِمَّةِ بِاخْتِلاَفِ العُلَمَاءِ عَلَى الإِطلاَقِ" حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاجِ، وَمُحَمَّدُ بنُ المُنْذِرِ شَكَّر، وَأَبُو حَامِدٍ بنُ الشَّرْقِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْبَ بنِ الأَخْرَمِ، وَأَبُو النَّضْرِ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ الفَقِيْه، وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيْل بن مُحَمَّدِ بنِ نصرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ إِسْحَاقَ السَّمَرْقَنْدِيّ، وَخَلْقٌ سِوَاهُم".

وترجم له الأسنوي في [طبقات الشافعية] (2/372) فقال في ترجمته: "وتفقه بمصر على أصحاب الشافعي".

أقول:

وعلى رأسهم المزني.

وذكره الحافظ ابن الصلاح في [طبقات الفقهاء الشافعية] (1/277/282) فقال:

"مُحَمَّد بن نصر أَبُو عبد الله الإِمَام الْمروزِي، صَاحب التصانيف الجَمَّة، أحد من استبحر فِي علمي الْفِقْه والْحَدِيث، وَجمع بَين فضيلتي الْإِمَامَة والديانة.

وَهُوَ صَاحب اخْتِيَار، وَرُبمَا تذرع متذرع بِكَثْرَة اختياراته المُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي إِلَى الْإِنْكَار على الْجَمَاعَة العادين لَهُ فِي أَصْحَابنَا، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَنَّهُ فِي هَذَا بِمَنْزِلَة ابْن خُزَيْمَة، والمزني، وَأبي ثَوْر قبله، وَغَيرهم، فَلَقَد كثرت اختياراتهم المُخَالفَة لمَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ لم يخرجهم ذَلِك عَن أَن يَكُونُوا فِي قبيل أَصْحَاب الشَّافِعِي معدودين، وبوصف الاعتزاء إِلَيْهِ موصوفين".

فهذا ابن الصلاح يعد محمد بن نصر في أصحاب الشافعي الذين لهم اختيارات، أليس من هذا حاله أعلم بمذهب الشافعي ممن يخالفه كالطحاوي؟!

وقال في (ص280): "سمع بخراسان يحيى بن يحيى".

وقال النووي في [تهذيب الأسماء واللغات] (1/92-93) في طليعة ترجمة

محمد بن نصر:

"من أصحابنا أصحاب الوجوه، مذكور في الروضة في الوصية في ركن الصيغة، وفى كتاب الصداق في باب تشطره في مسألة من أصدقها حليًا فكسرته. هو الإمام البارع العلامة في فنون العلم، أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الفقيه الشافعي.

روينا في تاريخ بغداد عن الخطيب، قال: محمد بن نصر المروزي، أبو عبدالله الفقيه، صاحب التصانيف الكثيرة، والكتب الجمة، ولد ببغداد، ونشأ بنيسابور، ورحل إلى سائر الأمصار في طلب العلم، واستوطن سمرقند.

وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام".

ثم ذكر في ترجمته ثناء العلماء عليه كالخطيب وغيره.

فهل يؤخذ بكلام هؤلاء العلماء الصادقين العالمين بمحمد بن نصر وبصلته القوية بمذهب الإمام الشافعي وأخذه عن أصحاب الشافعي ومنهم المزني الذي أخذ عنه كتب الشافعي ضبطً وتفقهًا؟

فلا يقارن محمد بن نصر بالطحاوي؛ إذ معرفته بالشافعي ومذهبه أكثر وأكثر بمراحل.

وقال الجهني الحدادي المكابر:

"فإن أبت المرجئة المعاصرة إلا الاعتماد على كلام محمد بن نصر,  فيما نسبه إلى الإمام الشافعي,  فيقال لهم : هذا الحافظ الطحاوي,  معاصر لمحمد بن نصر,  وأقرب منه إلى الشافعي,  حيث أخذ فقه الشافعي عن خاله المزني تلميذ الشافعي,  ينقل في كتابه "شرح مشكل الآثار 205/8" عن الشافعي القول بكفر تارك الصلاة . وليس ما عزاه ابن نصر بأولى مما عزاه الطحاوي,  بل هذا أولى وأقرب,  فإن الطحاوي كان شافعيا أول أمره,  ثم تحول حنفيا . وهو ينقل قول الشافعي عن المزني صاحب الشافعي.

أقول:

1)  لم ينقل الطحاوي مذهب الشافعي في هذه المسألة عن المزني، فهذا من كيس هذا الحدادي.

2)  الظاهر أن الطحاوي أخذ شيئًا من العلم لا كتب الشافعي ثم ترك المزني وانحاز إلى الأحناف.

3)  لقد أخطأ الطحاوي في نسبة تكفير تارك الصلاة إلى الإمام الشافعي؛ لأن قوله هذا يخالف نص الشافعي نفسه في عدم كفر تارك الصلاة في موضعين من كتاب [الأم] كما أسلفنا، ويخالف أقوال العلماء الذين هم أعرف بمذهب  الشافعي منه.

4)  ومحمد بن نصر أعلم منه بمذهب الشافعي؛ فإنه أخذ فقه الشافعي عن أصحابه ولاسيما المزني، وقد سلف عن الذهبي أن محمد بن نصر أخذ العلم بمصر من يونس الصدفي والربيع المرادي وأبي إسماعيل المزني، وأخذ عنه كتب الشافعي ضبطًا وتفقهًا، وهؤلاء أصحاب الشافعي ولاسيما المزني الذي أخذ عنه ابن نصر على وجه العموم أولا وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بمذهب الشافعي، فسقطت أراجيف هذا الحدادي.

فتبين واتضح للقارئ مذهب الشافعي في عدم تكفيره لتارك الصلاة، فهل يلتفت عاقل منصف إلى تخرصات الجهلاء ومكابراتهم ويترك كلام العلماء الثقات؟!

وقال الجهني المتهور في (ص15):

"هذا, ولم يزل أصحاب الشافعي من علماء الحديث على مذهب السلف في هذه المسألة,  فهذا الحافظ الكبير أبو عوانة الاسفراييني,  صاحب المستخرج على صحيح مسلم,  قال عنه الذهبي في " سير أعلام النبلاء " : وكان رحمه الله, أول من أدخل إسفرايين مذهب الشافعي وكتبه,  حملها عن الربيع المرادي والمزني . انتهى.

عقد أبو عوانة بابا في كتابه " المستخرج على صحيح مسلم 63/1 " في كتاب الإيمان قال فيه : باب : أفضل الأعمال,  والدليل على أن الإيمان قول وعمل,  وأن من ترك الصلاة فقد كفر,  والدليل على أنها أعلى الأعمال إذ تاركها يصير بتركها كافرا . اهـ

فهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه,  لخصها([9]) أبو عوانة في هذا التبويب الفريد,  وهو حتما لا يروق للمرجئة,  لأنه ربط بين الإيمان والصلاة . وجعل مسألة ترك الصلاة في كتاب الإيمان".

أقول:

1-إن من المجازفة قول هذا الحدادي: "هذا, ولم يزل أصحاب الشافعي من علماء الحديث على مذهب السلف في هذه المسألة".

فَسَمِّ لنا أصحاب الشافعي هؤلاء، واذكر لنا أقوالهم من مصادرها وأثبت نسبتهم إلى الإمام الشافعي؛ فإن عجزت فلأهل السنة أن يكذبوك، والظاهر أنه اخترع هذا الكلام لما وجد أبا عوانة يكفر تارك الصلاة.

2-إن أصحاب الشافعي لهم اجتهادات واختيارات كثيرة يخالفون فيها الإمام الشافعي وتسمى بالوجوه عند فقهاء الشافعية ومنهم أبو عوانة، فهو وإن درس كتب الشافعي فإنه ليس من أهل التقليد الأعمى، بل هو كفحول علماء الحديث لا يجيزون التقليد، ويوجبون على القادر على الاجتهاد أن يجتهد، فانطلاق أبي عوانة في هذه المسألة من باب الاجتهاد، ومن هنا خالف الإمام الشافعي في مسألة تارك الصلاة.

3-وقول الحدادي: "فهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه,  لخصها أبو عوانة في هذا التبويب".

أقول:

وهذه كذبةٌ صلعاء تدل على جرأة هذا الرجل على التفوه بالباطل، فهل قال أبو عوانة هذا قول الشافعي وأصحابه؟ حاشا أبا عوانة أن يقول هذا القول على الشافعي وهو ممن يعلم أن الشافعي ومعظم أصحابه لا يكفرون تارك الصلاة.

يا هذا، أرحنا أنت وأصحابك من كثرة الكذب والعناد والمكابرة، فالشافعي نفسه نص على عدم تكفير تارك الصلاة، فماذا تريدون بعد هذا؟!

وهاك عددًا من علماء المذاهب الشافعية والمالكية والحنابلة ينقلون عن الشافعي أنه من العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة.

وقد تقدم نقل ابن عبد البر لذلك.

وهذا الإمام ابن قدامة ينقل أقوال العلماء في تارك الصلاة في كتابه [المغني] (2/329-232)، ونقل الإجماع على تكفير الجاحد لوجوبها، ثم نقل كلام العلماء في تارك الصلاة كسلًا وتهاونًا وأنه يدعى إلى فعلها ويخوف بالقتل؛ فإن صلى وإلا قتل بالسيف، ونقل قول من يكفرونه وأدلتهم ومن لا يكفرونه وأدلتهم.

ثم قال:

"وبهذا قال مالك وحماد بن زيد والشافعي، وقال الزهري: يضرب ويسجن. وبه قال أبو حنيفة".

ثم قال الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني:

"وإن تركها تهاونًا أو كسلًا دُعي إلى فعلها، وقيل له: إن صليت وإلا قتلناك. فإن صلى، وإلا وجب قتله، ولا يُقتل حتى يحبس ثلاثًا، ويُضيّق عليه فيها، ويُدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها، ويُخوف بالقتل؛ فإن صلى وإلا قتل بالسيف.

وبهذا قال مالك، وحماد بن زيد، ووكيع، والشافعي.

وقال الزهري: يُضرب ويُسجن، وبه قال أبو حنيفة قال: ولا يقتل؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» متفق عليه.

وهذا لم يصدر منه أحد الثلاثة، فلا يحل دمه، وقال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» متفق عليه.

ولأنه فرع من فروع الدين، فلا يقتل بتركه، كالحج، ولأن القتل لو شرع لشرع زجرًا عن ترك الصلاة، ولا يجوز شرع زاجر يمنع تحقق المزجور عنه، والقتل يمنع فعل الصلاة دائمًا، فلا يشرع؛ ولأن الأصل تحريم الدم، فلا تثبت الإباحة إلا بنص، أو معنى نص، والأصل عدمه".

ثم ساق أقوال وأدلة من يكفره ومنهم الإمام أحمد.

ثم قال رحمه الله:

"والرواية الثانية([10]): يُقتل حدًّا مع الحكم بإسلامه، كالزاني المُحصَن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة، وأنكر قول من قال: إنه يكفر. وذكر أن المذهب على هذا، لم يجد في المذهب خلافًا فيه".

وقال النووي رحمه الله في المجموع (3/15-20):

(فَرْعٌ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ تكا سلا مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهَا: فَمَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا وَلَا يُكَفَّرُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُكَفَّرُ وَيُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ فِي كُلِّ شيء وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَ مَنْصُورٌ الْفَقِيهُ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا سَبَقَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالمُزَنِيُّ([11]): لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِكُفْرِهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَهَكَذَا الرواية "الشرك والكفر بالواو"... .

وذكر أدلة من يكفره وأدلة من لا يكفره.

وأما الإمام أحمد رحمه الله فله أقوال في تارك الصلاة، تارة يكفره وتارة لا يكفره، وفحول أصحابه يرجحون عدم التكفير ولاسيما ابن بطة؛ فإنه يذكر أنه لا يصح عنه إلا عدم التكفير، هذا معنى كلامه.

ومنهم الإمام ابن قدامة كما في المغني، وشمس الدين أبو الفرح بن قدامة صاحب الشرح الكبير.

فمن أقوال الإمام أحمد رحمه الله ما رواه عنه مسدد في رسالته:

"والإيمان قول وعمل يزيد وينقص: زيادته إذا أحسنت، ونقصانه: إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجلّ جاحدًا بها؛ فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه". [طبقات الحنابلة] (1/343)، نشر دار المعرفة.

وكتبه

ربيع بن هادي عمير

11/شوال/1435هـ

 



([1]) وهذا الكلام ليس فيه دعوى إجماع الصحابة ولا يبعد أن الصحابة رضي الله عنهم الذين رووا أحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة أن يكونوا ممن لا يكفر تارك الصلاة.

([2]) بل بعض الأقوال تدل على أن الاختلاف في تارك الصلاة من عهد الصحابة رضي الله عنهم وسيأتي بعض هذه الأقوال.

([3]) قال الإمام ابن القيم رحمه الله  في كتاب الصلاة (ص14) خلال كلامه عن تارك الصلاة وقتله:

"وقال ابن شهاب الزهري، وسعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وداود بن علي والمزني: يحبس حتى يموت أو يتوب ولا يقتل".

وساق أدلتهم على عدم قتله.

وهذا يفيد أن سعيد بن المسيب وهو من كبار التابعين لا يكفر تارك الصلاة وكذلك من ذكر بعده.

 

([4]) كذا.

([5]) ويختلفون في تارك الصلاة ولا يطعن بعضهم في بعض.

([6]) تأمل قوله هذا مع قول شيخ الإسلام: وتكفير تارك الصلاة؛ فإن فيهما ردًّا لدعاوى الإجماع، وسواء رجحنا قول الإمام سحنون أو كلام شيخ الإسلام فإنهما مع ذلك يشتركان في إثبات الخلاف في تارك الصلاة من عهد الصحابة والتابعين.

وهذا يبطل أراجيف الحدادية بالإجماع، وأراجيفهم بالطعن والإرجاء.

فإن أصروا على هذين الأمرين تبين طعنهم جليًّا في الصحابة الذين لا يكفرون تارك الصلاة، والتابعين ومن بعدهم من أهل السنة.

([7]) وبهذا القول يقول المزني رحمه الله عند من يعقل ويفهم كلام العلماء على وجهه الصحيح.

([8]) انتهى كلام هذا الإمام عن المرتد ثم عاد إلى الكلام عن تارك الصلاة.

([9]) كذا.

([10]) أي: الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهي قوله بعدم تكفير تارك الصلاة.

([11]) انظر إلى عد الثوري الإمام المزني من العلماء الذين لا يكفرون تارك الصلاة.

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير