الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء] - الحلقة الأولى

وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء] - الحلقة الأولى


عدد الزيارات عدد الزيارات : 9030     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 3742

وقفات مع بعض تلبيسات وجهالات عبد الحميد الجهني

 في مقاله [كشف الخفاء عن مسألة محدثة استقوى بها الإرجاء]

الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه،

أما بعد:

فما رأيت مثل فرقة الحدادية في الدعاوى الباطلة والعناد والمكابرة وقلب الحقائق.

1)        فمن الدعاوى الباطلة قول هذا الجهني في مقدمة مقاله هذا:

"أما بعد فإن من غربة السنة في هذا الزمن المتأخر أن بعض المسائل التي أجمع عليها السلف الصالح من الصحابة والتابعين, صار الخلاف فيها خلافا معتبرا, بل صار القول المخالف لإجماع السلف هو القول الراجح عند بعض من ينتسب إلى السنة, وأصبح من يدعو إلى إحياء السنن وفقه الصحابة رضي الله عنهم, وطرح الأقوال المخالفة لأقوالهم, غريبا, كأنه جاء ببدعة أو دعا إلى ضلالة, وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم : "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً ، فطوبى للغرباء" أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وكما تسلط المتكلمون المبتدعة من عهد قديم على مسائل العقيدة فثبتوا مسائلهم المبتدَعة في الكتب والرسائل حتى نَسي غالب الناس أنها مسائل محدثة ليست من علوم الصحابة رضي الله عنهم".

ففي هذا المقطع من العجائب:

1-      انظر قصره السلف على الصحابة والتابعين، وهذا أمر خطير تفتعله الفرقة الحدادية لإسقاط من بعد الصحابة والتابعين من السلف الصالح ودفن جهودهم في رفع راية السنة وهدمهم للبدع ودحر أهلها وبيان ضلالهم فرقة فرقة.

2-      دعوى الإجماع على كفر تارك الصلاة، وهذه الدعوى لا تثبت عن الصحابة.

فإن كان يريد بدعوى الإجماع ما قاله عبد الله بن شقيق فقد بينا ضعف هذه الدعوى، انظر [المقالات الأثرية في الرد على تشغيبات الحدادية] التعليق الخامس (ص48-58).

وفي هذا البيان ما يشفي ويكفي كل ذي عقل ودين وإنصاف.

3-      لقد أكثر الحدادية من دعاوى الإجماع التي لا تثبت، وقد رد السلفيون هذه الدعاوى، انظر [أقوال الثقات في رد دعاوى صاحب الحمامات] للشيخ أحمد الزهراني، فقد فند هذه الدعاوى كلها بالأدلة والبراهين.

فدعاوى الحدادية للإجماع يصدق عليها ما نقله الإمام ابن القيم رحمه الله، وأهل الحديث عن الإمامين أحمد والشافعي.

قال رحمه الله في [إعلام الموقعين] (1/30) خلال كلامه عن أصول الإمام أحمد:

"وَلَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَمَلًا وَلَا رَأْيًا وَلَا قِيَاسًا وَلَا قَوْلَ صَاحِبٍ وَلَا عَدَمَ عِلْمِهِ بِالْمُخَالِفِ الَّذِي يُسَمِّيهِ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إجْمَاعًا وَيُقَدِّمُونَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ كَذَّبَ أَحْمَدُ مَنْ ادَّعَى هَذَا الْإِجْمَاعَ، وَلَمْ يَسِغْ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا نَصَّ فِي رِسَالَتِهِ الْجَدِيدَةِ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ بِخِلَافٍ لَا يُقَال لَهُ إجْمَاعٌ، وَلَفْظُهُ: مَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ فَلَيْسَ إجْمَاعًا.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: سَمِعْت أَبِي يَقُولُ: مَا يَدَّعِي فِيهِ الرَّجُلُ الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَذِبٌ، مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ، لَعَلَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، مَا يُدْرِيهِ، وَلَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ؟ فَلْيَقُلْ: لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، هَذِهِ دَعْوَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: لَا نَعْلَمُ النَّاسَ اخْتَلَفُوا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ، هَذَا لَفْظُهُ.

وَنُصُوصُ رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَلُّ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَيْهَا تَوَهُّمَ إجْمَاعٍ مَضْمُونُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُخَالِفِ، وَلَوْ سَاغَ لَتَعَطَّلَتْ النُّصُوصُ، وَسَاغَ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي حُكْمِ مَسْأَلَةٍ أَنْ يُقَدِّمَ جَهْلُهُ بِالْمُخَالِفِ عَلَى النُّصُوصِ؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ مِنْ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، لَا مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ".اهـ

2)        المكابرة الثانية من هذا الحدادي:

أن الإمام محمد بن نصر قال في كتابه [تعظيم قدر الصلاة] (2/957) رقم (1035):

"وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله الْأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ، يَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ إِنَّمَا تَرَكَهَا أَنَّهُ ابْتَدَعَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الْإِسْلَامِ قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ ضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَسُجِنَ".

فهذا إسناد ثابت كالجبل إلى الإمام الزهري يفيد العقلاء المنصفين أن الزهري يرى أن تارك الصلاة المنطلق من دين غير الإسلام، يقصد الجاحد لوجوبها؛ فإنه كافر عنده يقتل.

وإن كان فاسقًا غير كافر وهو غير الجاحد لوجوبها؛ فإنه يضرب ضربًا مبرحًا ويسجن، ولم يحكم بكفر ولا بقتله.

وهذا القول قد نسبه إلى الإمام الزهري الإمام ابن عبد البر في [التمهيد] (4/240)، ونسبه إليه ابن قدامة في [المغني] (2/329-330)، وأبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة في [الشرح الكبير] (3/30) مع [الإنصاف].

يؤكد أن هذا مذهب الزهري ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (9/232) برقم (17045) عن معمر عن الزهري قال: (من شرب في رمضان فإن كان ابتدع ديناً غير الإسلام استتيب، وإن كان فاسقاً من الفساق جلد ونكل وطوّف وسمّع به، والذي يترك الصلاة مثل ذلك).

وهذا كلام جلي واضح ما رأيت أحدًا يكابر فيه إلا هذا الحدادي وحزبه، فلم يقروا بهذا القول مع وضوح معناه وصحة إسناده وتداول العلماء له بدون اعتراض عليه أو شك فيه؛ وذلك لأن منهجهم الباطل قائم على الجهل والمكابرة والكذب والتكذيب بالحق.

بل والتكفير لأهل السنة، وقد كانوا يستخدمون التقية ففضحهم الله في هذه الأيام فأظهر أعمدة منهجهم هذا التكفير لكل من يعذر بالجهل، فلم يسلم من هذا التكفير إلا عدد قليل من أهل السنة لا يتجاوزون عدد الأصابع، وهم لا يكفرون ولا يبدعون من يعذر بالجهل، بل يجلونهم ويعتبرونهم إخوانهم ويعتبرون الأئمة منهم أئمتهم.

فالفرقة الحدادية شديدة العداوة لأهل السنة السابقين واللاحقين.

فلا يبعد أن يكون مذهب هؤلاء الحدادية مشتق من مذهب الروافض الذين يكفرون الصحابة وأهل السنة إضافة إلى مذهب الخوارج.

فليدرك ذلك أهل السنة ولاسيما العقلاء خطر هذه الفرقة وشدة عداوتها للحق وأهله السابقين واللاحقين.

فهم اليوم طليعة أعداء السنة في الحرب لأهل السنة تحت ستار السنة من باب: اضرب الإسلام بسيف الإسلام، فالسنة هي الإسلام والحدادية يضربونها بسيف السلفية.

3)        ومن الدعاوى الباطلة:

"قوله: وأصبح من يدعو إلى إحياء السنن وفقه الصحابة رضي الله عنهم, وطرح الأقوال المخالفة لأقوالهم, غريبا,  كأنه جاء ببدعة أو دعا إلى ضلالة,  وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم : "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً ، فطوبى للغرباء".

أقول:

إن هذا الجاهل ليدعي لنفسه ولحزبه الحدادي الهدام بأنهم من الدعاة إلى إحياء السنن وفقه الصحابة.

وهذه دعوى عريضة هي في وادٍ والحدادية الجهلاء البغاة في واد آخر، فهم حرب على دعاة السنة المتمسكين بها، وورثة الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

بل هم حرب على أهل السنة السابقين واللاحقين المعظمين للنصوص القرآنية والنبوية، ويردون الأحاديث الصحيحة بل وبعض الآيات القرآنية.

فترد هذه الفرقة الحدادية الأحاديث الصحيحة المتواترة أحاديث الشفاعة والتي فيها: (يخرج من النار قوم لم يعملوا خيرًا قط).

وردوا أحاديث فضل التوحيد، ومن القرآن مثل قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، ومثل قول الله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً  كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).

ومثل حديث: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضعت وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).

وطعنوا فيمن يحتج بهذه النصوص من السابقين واللاحقين، واخترعوا أصولًا باطلة لحرب أهل السنة المتمسكين بنصوص الكتاب والسنة ورميهم بالبدع.

مثل: الإيمان ينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء.

مقدمين هذا الأصل على ما أجمع عليه أهل السنة من أن: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

فمن اقتصر على هذا القول فهو عندهم مرجئ، وهذا تضليل لأهل السنة السابقين واللاحقين.

ومثل أصلهم الهدام: من قال الإيمان أصل والعمل فرع فهو مرجئ.

وهذا قول أهل السنة وأئمتهم، فهم مرجئة عند الحدادية.

وقد سقنا أقوال أهل السنة وأئمتهم فلم تردعهم هذه النقول الصحيحة، بل أصروا على رمي من يقول بهذا بالإرجاء، وحربهم، فلقد فاقوا الخوارج بهذا التأصيل الخبيث، وزادوا على الخوارج بالأكاذيب والجنايات وقلب الحقائق.

هذا وهم يبنون عقائدهم الشاذة على الأحاديث الضعيفة والأقوال الشاذة الهزيلة مثل: إجلاس النبي صلى الله عليه وسلم على العرش.

ومثل حديث: (إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض استلقى وجعل إحدى رجليه على الأخرى).

4)        ومن تهوكه على أهل السنة قوله: "وكما تسلط المتكلمون المبتدعة من عهد قديم على مسائل العقيدة فثبتوا مسائلهم المبتدَعة في الكتب والرسائل حتى نَسي غالب الناس أنها مسائل محدثة ليست من علوم الصحابة رضي الله عنهم".

أقول:

أ‌-          يوهم الناس بهذا الكلام أن أهل السنة الذي يرميهم بالإرجاء ظلما وبغيا أنهم إنما تلقوا القول بعدم تكفير تارك الصلاة إنما تلقوه من المتكلمين المبتدعة، وهذا عين الكذب والافتراء على أهل السنة حقًّا الذين يأخذون عقائدهم وعباداتهم وأحكامهم من الكتاب والسنة.

ب‌-    لقد حارب السلف الطائفة المنصورة البدع وأهلها وبينوا فساد عقائدهم من روافض وخوارج وجهمية ومعتزلة وصوفية وغيرهم، بينوا ذلك في كتب ورسائل عديدة، مثل: [الشريعة للآجري] و[الإبانتين] لابن بطة، و[شرح أصول اعتقاد أهل السنة] للالكائي، و[السنة لعبد الله بن أحمد] و[السنة للخلال] و[الحجة في بيان المحجة] للأصفهاني، وغيرها.

وكم لشيخ الإسلام ابن تيمية من المؤلفات في بيان أهل البدع وهدم عقائدهم، وكذلك لابن القيم وابن عبد الهادي وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ومدرسته وإلى يومنا هذا، يقوم أهل السنة ببيان التوحيد والسنة ومنهج السلف وهدم البدع وأهلها.

فلماذا لم تذكر هذه الطائفة المنصورة وتبين جهودها في بيان الحق ودحض البدع والضلالات أيها الملبس الحاقد على أهل السنة، ولماذا لم تسلك أنت وفرقتك الحدادية مسلك أهل السنة في بيان الحق واحترام أهله ودحض البدع والضلالات بدل حربكم بالباطل والفجور لأهل السنة والحق؟!!

إن لعملكم هذا لدلالات خطيرة على ضلالكم وخبث طواياكم، وإنكم مسيرون من أهل البدع والضلال، ومجندون لحرب أهل السنة والتوحيد.

ذكره لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والإمام محمد بن عبد الوهاب من باب التمويه؛ ليشعر الناس أنه على طريقتهم ومنهجهم، وهذا من الكذب المكشوف، فهو في واد وهؤلاء الأئمة في واد آخر، فهل هؤلاء الأئمة يرمون من لا يكفر تارك الصلاة بالإرجاء.

فهذا الإمام محمد لا يكفر تارك الأركان الأربعة، ومنهجكم يقتضي الحكم عليه بأنه من غلاة المرجئة.

وهذا الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عوانة وابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب وأعيان أتباعه يعذرون بالجهل.

والعذر بالجهل عند الفرقة الحدادية من الموبقات حتى إن بعض أفراد هذه الفرقة ليرمي من يعذر بالجهل بأنهم زنادقة.

5)        قال هذا الحدادي الغالي والملبس:

"ومن المسائل المحدثة التي ليست من أقوال الصحابة ولا التابعين,  وراجت رواجا كبيرا عند المتأخرين: الحكم على تارك الصلاة بأنه مسلم, ذهب إلى هذا عدد قليل من علماء القرن الثالث,  ولم يصح هذا القول عن أحد من علماء القرن الثاني,  ثم شاع الخلاف وانتشر,  حين شاعت بدعة الإرجاء وانتشرت في صفوف الفقهاء والمؤلفين بعد القرون المفضلة".

أقول:

إن في هذا المقطع من قول هذا الحدادي من الباطل ما لا يجرؤ عليه إلا أهل الجهل والهوى.

فهل الصحابة والتابعون يخالفون قول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) آيتان عظيمتان من سورة النساء.

وهل الصحابة والتابعون الذين رووا أحاديث الشفاعة ومنها: (يخرج من النار قوم لم يعملوا خيرًا قط)، ورووا قوله صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان).

هل هؤلاء الصحابة والتابعون الذين رووا هذه الأحاديث حرفوا هذه الأحاديث أو تأولوها لتوافقوا مذهب الخوارج، وقالوا بكفر هؤلاء الذين برأتهم الآيتان وأحاديث الشفاعة من الكفر، وحكمت لهم بالتوحيد والإيمان وإن كانوا من أهل الكبائر التي استحقوا بسببها دخول النار.

فهات أقوال الصحابة والتابعين في رد هذه الأحاديث أو تحريفها مع تحريف الآيتين المذكورتين.

2- لقد صح عن الإمام الزهري وهو من كبار علماء القرن الثاني عدم تكفير تارك الصلاة غير الجاحد لها، وقصر التكفير على الجاحد لوجوبها، وهذا انطلاق منه من أحاديث الشفاعة وغيرها ومن الآيتين المذكورتين.

ولا يبعد أن له نظراء من الصحابة والتابعين في عدم تكفير تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها؛ انطلاقا من الآيتين وأحاديث الشفاعة الواضحة في عدم تكفير من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من الإيمان، ومن أحاديث فضل التوحيد.

6)        وقال هذا الحدادي الجهول:

"ومن المسائل المحدثة التي ليست من أقوال الصحابة ولا التابعين,  وراجت رواجا كبيرا عند المتأخرين : الحكم على تارك الصلاة بأنه مسلم, ذهب إلى هذا عدد قليل من علماء القرن الثالث, ولم يصح هذا القول عن أحد من علماء القرن الثاني, ثم شاع الخلاف وانتشر, حين شاعت بدعة الإرجاء وانتشرت في صفوف الفقهاء والمؤلفين بعد القرون المفضلة".

أقول:

هذا الكلام من المجازفات الحدادية التي قلد فيها من سبقه من الحدادية المتهورين، وبينا بطلان هذه المجازفات فيما سلف من الردود على هؤلاء المتهورين والمعاندين على مذهب عنز ولو طارت، وسيأتي المزيد من البيان.

7)        قال الجهني الحدادي:

"ولا أحد ينكر أن أكثر المصنفين في الفقه والخلاف بعد القرن الثالث هم على العقيدة الأشعرية أو العقيدة الماتريدية,  وهؤلاء مرجئة في باب الإيمان, لا يرون الإعمال داخلة فيه,  وعليه فتارك الصلاة ليس كافرا عندهم, وهؤلاء هم الذين أشاعوا الخلاف في هذه المسألة وأعطوه زخما واعتبارا, حتى صارت هذه المسألة من مسائل الفقه الإسلامي, يبحثها الفقهاء في مصنفاتهم, وتعرض أدلة الفريقين ويرجح بين القولين, ولشهرة هذا القول عند أتباع المذاهب الفقهية نسبوه إلى الجمهور! ونسي أغلب الناس أو تناسى أن هذه المسألة فيها إجماع سلفي, يجب الرجوع فيها إلى الإجماع الأول, لكن المرجئة لم ترفع رأسا لهذا الإجماع,  لغاية في نفسها, وجلبت عليه شبهات من أدلة شرعية, استدلوا بها على أن تارك الصلاة ليس كافرا,  ونسبوا القول بعدم التكفير إلى مالك والشافعي – ولم يثبت عنهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى - حتى صدَّق أكثر الناس أن المسألة فيها خلاف معتبر".

أقول:

1-      إن الاختلاف بين أهل السنة في تارك الصلاة قديم قبل وجود الأشعرية والماتريدية، وليس الخلاف بينهم رحمهم الله جميعًا ناشئ عن الهوى، ولا عن تقليد الأشعرية والمرجئة كما يفتري هذا الجهول، وإنما هو ناشئ عن فهمهم لأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من فهم من إطلاق الكفر على تارك الصلاة أن هذا الكفر هو الكفر الأكبر، ومنهم من فهم في ضوء الأدلة أنه الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة.

فإيهام الناس بأن الخلاف في تارك الصلاة إنما هو مأخوذ عن المرجئة من الكذب والسفسطة، ومن الطعن في أهل السنة الذين لا يكفرون تارك الصلاة انطلاقاً من الكتاب والسنة، فأهل السنة الذين يكفرون تارك الصلاة والذين لا يكفرونه كلهم يحاربون الإرجاء وأهله، ويضعون حدًّا فاصلًا بين أهل السنة المرجئة.

فالمرجئة لهم أقوال متفاوتة:

فمنهم من يقول: (الإيمان هو المعرفة).

ومنهم من يقول: (هو التصديق).

ومن من يقول: (هو التصديق بالقلب والقول باللسان).

وكلهم يخرجون العمل من الإيمان، ويرون أن العصاة أهل الكبائر كاملو الإيمان.

وغلاتهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ.

ومنهم من يوجب على الله إدخال العصاة الجنة.

وخالف أهل السنة المرجئة على اختلاف أقوالهم.

فقالوا: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

قال هذا كل علماء السنة في جميع الأعصار والأمصار من يكفر تارك الصلاة ومن لا يكفره، وكلمتهم واحدة في مواجهة الإرجاء وغيره من الأهواء والبدع.

وخالفهم خارجية العصر الحدادية فلم يقتنعوا بما أجمع عليه السلف من أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؛ فقالوا: (لابد من القول إنه ينقص حتى لا يبقى منه شيء) ومن اكتفى عندهم بقول السلف: يزيد وينقص. فهو عندهم مرجئ.

وصاروا بسبب حقدهم وعداوتهم لأهل السنة يخترعون أصولاً باطلة مضادة لأصول السلف ليتوصلوا بها إلى الطعن في أهل السنة السابقين واللاحقين، وقد أسلفنا بعض أصولهم الباطلة.

8)        قال الجهني الحدادي:

"ونسي أغلب الناس أو تناسى أن هذه المسألة فيها إجماع سلفي,  يجب الرجوع فيها إلى الإجماع الأول,  لكن المرجئة لم ترفع رأسا لهذا الإجماع,  لغاية في نفسها,  وجلبت عليه شبهات من أدلة شرعية,  استدلوا بها على أن تارك الصلاة ليس كافراً".

أقول:

لقد نسي جمهور أهل السنة من فقهاء ومحدثين هذا الإجماع أو تناسوه لغاية في أنفسهم، ولم ينسه الحدادية الخارجية ورثة المريسي والأصم في دعاوى الإجماع.

فإن من لم يكفر تارك الصلاة عندهم مرجئ، وجهل أهل السنة الذين يكفرون تارك الصلاة، جهلوا الحكم على من لم يكفره، واهتدى إلى هذا الحكم الخوارج السابقون والخوارج اللاحقون كالحدادية شر الخلق والخليقة، والذين يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم.

وقوله: "وجلبت عليه شبهات من أدلة شرعية, استدلوا بها على أن تارك الصلاة ليس كافرا".

أقول:

وهكذا يكون الفقه، وهكذا يكون الحكم على جمهور أهل السنة من فقهاء ومحدثين أنهم من أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابهات.

فأحاديث فضل التوحيد وأحاديث الشفاعة والأحاديث الأخرى التي استدل بها جمهور أهل السنة والحديث كلها من المتشابهات.

فمن سبقك إلى هذا الحكم على جمهور أهل السنة باتباع المتشابهات؟! ومن حكم على أدلتهم الواضحة الجلية أنها من المتشابهات؟!

أعتقد أن سلفك من الخوارج لم يخطر ببالهم هذا الحكم، وبرأ الله أهل السنة جميعًا من اتباع المتشابهات، ومن هذا المنهج الباطل الذي انتهجه الحدادية الخوارج المجازفين.

فهذا الإمام ابن عبد البر رحمه الله يقول في التمهيد (23/290) -في شرح حديث عبادة بن الصامت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَمَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ:

"وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشِيئَةِ الله إِذَا كَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا مُقِرًّا وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ بِأَسْرِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُقِرَّ بِالْإِسْلَامِ فِي حِينِ دُخُولِهِ فِيهِ يَكُونُ مُسْلِمًا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي عَمَلِ الصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ بِإِقْرَارِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَعُقْدَةِ نِيَّتِهِ فَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا إِلَّا بِرَفْعِ مَا كَانَ بِهِ مُسْلِمًا وَهُوَ الْجُحُودُ لِمَا كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِهِ وَاعْتَقَدَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي قَتْلِ مَنْ أَبَى مِنْ عَمَلِ الصَّلَاةِ إِذَا كَانَ بِهَا مُقِرًّا فِي بَابِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لله".

وهو يحكي في غير هذا الموضع أن جمهور أهل السنة لا يكفرون تارك الصلاة.

قال في التمهيد (9/251) في شرح حديث ابن عمر الحياء من الإيمان بعد ذكر الاختلاف: هل الإسلام والإيمان متغايران أو هما شيء واحد؟

قال رحمه الله: "وَرُبَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْأَلْقَابِ وَلَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا بِذَنْبٍ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهَا فَكَفَّرَهُ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي بَابِ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ وَأَبَى الْجُمْهُورِ أَنْ يُكَفِّرُوهُ إِلَّا بِالْجَحْدِ وَالْإِنْكَارِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لله.

فَهَذَا مَا بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْإِيمَانِ وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ جِمَاعُ الطَّاعَاتِ وَمَنْ قَصَّرَ مِنْهَا عَنْ شَيْءٍ فهو فاسق لا مؤمن ولا كافر وسواهم الْمُتَحَقِّقُونَ بِالِاعْتِزَالِ أَصْحَابَ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَمِنْهُمْ من قال في ذلك بقول الْخَوَارِجِ: الْمُذْنِبُ كَافِرٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَّ الصُّفْرِيَّةَ تَجْعَلُهُ كَالْمُشْرِكِ وَتَجْعَلُ دَارَ الْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لَهُمْ دَارَ حَرْبٍ وَأَمَّا الْإبَاضِيَّةُ فَتَجْعَلُهُ كَافِرَ نِعْمَةٍ وَلَكِنَّهُمْ يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَلَا يَسْتَحِلُّونَ مَالَهُ كَمَا يَسْتَحِلُّهُ الصِّفْرِيَّةُ وَلَهُمْ ظَوَاهِرُ آيَاتٍ يُبَرْهِنُونَ بِهَا قَدْ فَسَّرَتْهَا السُّنَّةُ وَقَدْ مَضَى عَلَى مَا فَسَّرَتِ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ رُوِّينَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِالله صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَكُنْتُمْ تَعُدُّونَ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ كُفْرًا أَوْ شِرْكًا أَوْ نِفَاقًا. قَالَ: مَعَاذَ الله وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُؤْمِنِينَ مُذْنِبِينَ.

وَلَوْلَا أَنَّ كِتَابَنَا هَذَا كِتَابُ شَرْحِ مَعَانِي السُّنَنِ الثَّابِتَةِ فِي الْمُوَطَّأِ لَحَدَدْنَا الرَّدَّ عَلَيْهِمْ هُنَا وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَكَسْرِ أَقْوَالِهِمْ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ الْآثَارِ فِي الْإِيمَانِ وَمَدَارِ الْبَابِ كُلِّهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْهِ أَنَبْنَا".

فهل جمهور أهل السنة مرجئة؟

وهل ابن عبد البر مرجئ.

وهل نقل هذا الكلام عن المرجئة والمتكلمين والأشاعرة؟

وهل يقدم نقله وأمثاله من أئمة السنة هذا المذهب عن جمهور أهل السنة، أو يقدم أقوال الحدادية الجهال والمحرفين المعاندين للحق وأهله؟!

9)        قال الحدادي المسفسط:

"ونسبوا القول بعدم التكفير إلى مالك والشافعي – ولم يثبت عنهما كما سيأتي إن شاء الله تعالى - حتى صدَّق أكثر الناس أن المسألة فيها خلاف معتبر".

أقول:

إن أكثر الناس بما فيهم المحدثون والفقهاء صدقوا بهذا القول الباطل، واهتدى الحدادية الجهلاء المسفسطون على جهلهم وضلالهم، فهم أعلم من الإمام ابن المنذر الذي لم يجد إجماعًا على كفر تارك الصلاة، وأعلم من ابن حزم، وابن القطان اللذين ألَّفا في مسائل الإجماع صغيرها وكبيرها فلم يقفوا على هذا الإجماع الذي عرفه الجهلاء.

وإنكاره أن مالكًا والشافعي يكفران تارك الصلاة وأنه سيأتي الكلام في ذلك.

ونحن نقول: هذه مكابرة، وسيأتي إبطال دعواه.

10)   وقال الجهني الحدادي الخارجي:

"وعند النظر والتدقيق في هذا الخلاف, نجد أن المرجئة المعاصرة القائلين بأن تارك أعمال الجوارح لا يكفر, قد استقوت بهذا الخلاف أيما استقواء, وشغبت به على مذهب السلف في باب الإيمان, فتبين أن ما قرره وثبته وأشاعه المرجئة السلف قد أفاد منه الخلف , فالمرجئة القديمة ضربت إجماع السلف الصالح على كفر تارك الصلاة, والمرجئة المعاصرة ضربت إجماع السلف الصالح على كفر تارك العمل, والمسألتان متلازمتان".

أقول:

إن الحدادية الخوارج المعاصرة قد استقوت بقول ومنهج الخوارج الأوائل أيما استقواء وهي على منهج الخوارج  السالفين في رمي أهل السنة بالإرجاء، بل على منهج المنصورية من أهل البدع.

وعمدة أهل السنة السابقين واللاحقين إنما هي النصوص القرآنية والنبوية لا كما يفتري الحداديون ومنهم الجهني.

وقد سبق له أن تارك الصلاة تارك عمل، فإرجافه هنا بتارك العمل إنما هو تقليد لأحد كبار القطبيين التكفيريين؛ ليقوي مذهب سيد قطب في التكفير.

11- وقال الجهني الحدادي:

"أما الإجماع على كفر تارك الصلاة فقد حكاه جابر بن عبدالله رضي الله عنهما, والحسن البصري, وأيوب السختياني, وعبدالله بن شقيق العقيلي, وإسحاق بن راهويه, ومحمد بن نصر المروزي رحمة الله عليهم، هذا فيما وقفت عليه, وواحد من هؤلاء لو حكى الإجماع لكان حجة فكيف بهم جميعا".

أقول:

لقد رد ربيع هذه الدعاوى للإجماع بالأدلة والبراهين، انظر [المقالات الأثرية]، ولا أستبعد أن هذا الرجل قد وقف على هذا الرد ولكن داءه التقليد الأعمى والعناد يحملان على تجاهل الحقائق الجلية الواضحة.

وسيأتي مناقشة أهمها، ومنها قوله: سأل مجاهد بن جبر جابر بن عبد الله رضي الله عنه: ما كان يفرق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: الصلاة. تعظيم قدر الصلاة (892)، والإبانة الكبرى لابن بطة (2/672)، وإسناده حسن.

أقول:

1-      لماذا لم تسق إسناد هذا القول عن جابر، أَلِأَنَّ فيه ابن إسحاق؟

2-      خالف ابن إسحاق في نقل هذا القول عن جابر ما هو مشهور عن جابر، تارة يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو في [صحيح مسلم] وعند محمد بن نصر في [تعظيم قدر الصلاة] برقم (886) عن أبي سفيان عن جابر، و(887) عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، وكذا (888) عن جابر مرفوعًا.

وقد وقف الجهني على هذه الطرق فتجاهلها.

وأورد محمد بن نصر أيضا في [تعظيم قدر الصلاة] برقم (947) قال رحمه الله:

"حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا رَضِيَ الله عَنْهُ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَكُنْتُمْ تَعُدُّونَ الذَّنْبَ فِيكُمْ شِرْكًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: وَسُئِلَ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ؟ قَالَ: تَرْكُ الصَّلَاةِ.

فهذا هو الثابت عن جابر رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإجابة لمن سأله.

فرواية ابن إسحاق التي استدل بها الجهني وغيره شاذة أو منكرة، ولا يغفل النصوص الصحيحة ويتعلق بالشواذ إلا الشُّذَّاذ.

3-      وقول الحسن ضعيف؛ لأنه قال: (بلغني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم).

فهذا منقطع، أو معضل، ومن جرأة وجهل الجهني قوله: (بإسناد صحيح).

4-      وقول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة) ضعيف بهذا اللفظ، وقد بينت ضعفه بالأدلة.

والصحيح عن عبد الله بن شقيق رواية إسماعيل بن علية ونصُّها عن عبدالله بن شقيق: "ما علمنا شيئًا من الأعمال قيل تركه كفر إلا الصلاة".

فهذا النص لا يدل على الإجماع من قريب ولا من بعيد، فلم ينسبه ابن شقيق لا إلى الصحابة ولا إلى غيرهم، وقد يكون واحدًا أو اثنين أو ثلاثة، وقد يكون هو القائل.

فيترك الحدادية هذا القول الثابت عن عبد الله بن شقيق ويتعلقون بما نسب إليه من القول الضعيف الشاذ؛ لأنهم شواذ.

ومما يزيد رواية بشر بن المفضل ضعفًا:

1)        أن الحاكم روى بإسناده إلى قتيبة عن بشر بن المفضل عن الجريري عن عبدالله بن شقيق عن أبي هريرة رضي الله عنه: كان أصحاب رسول الله لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

انظر [المستدرك] (1/7)، قال رحمه الله:

أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة، به.

وإسناده صحيح إلى بشر بن المفضل إلا قيس بن أنيف، ذكره الخليلي في [الإرشاد] (3/974)، وكذلك السمعاني في [الأنساب] (5/617).

والظاهر أنه مجهول.

وعلى كلٍّ، فهذا الأثر الذي يتعلق به الحداديون لا يثبت؛ لاضطراب بشر بن المفضل فيه، ولمخالفة إسماعيل بن علية له، وإسماعيل بن علية فوقه وأحفظ منه.

2)        أن أيوب من تلاميذ الزهري، والزهري لا يكفر تارك الصلاة، ولا يبعد أن يكون الزهري قد أخذ من شيوخه من الصحابة وكبار التابعين عدم تكفير تارك الصلاة، ومالك أخذ هذا الحكم من شيخه الزهري، ولعله أخذ عن غير الزهري من شيوخه.

وأما دعوى إسحاق الإجماع فقد بينَّا ضعف هذه الدعوى في الرد على عادل الغامدي، انظر [المقالات الأثرية] (ص76-79).

وقوله: "ومحمد بن نصر المروزي رحمة الله عليهم، هذا فيما وقفت عليه, وواحد من هؤلاء لو حكى الإجماع لكان حجة فكيف بهم جميعا".

أقول:

لا تثبت هذه الدعوى في الميزان العلمي.

ومن العجب أن يُسلِك هذا الجهني العجيب محمد بن نصر فيمن يدعي الإجماع، وهو نفسه ينقل الاختلاف في تارك الصلاة.

قال رحمه الله في [تعظيم قدر الصلاة] (2/936-938):

"قَدْ حَكَيْنَا مَقَالَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَكْفَرُوا تَارِكَ الصَّلَاةِ مُتَعَمِّدًا، وَحَكَيْنَا جُمْلَةَ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ خَالَفَتْهُمْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَأَبَوْا أَنْ يُكَفِّرُوا تَارِكَ الصَّلَاةِ إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا جُحُودًا، أَوْ إِبَاءً، وَاسْتِكْبَارًا وَاسْتِنْكَافًا، وَمُعَانَدَةً فَحِينَئِذٍ يَكْفُرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَارِكُ الصَّلَاةِ كَتَارِكِ سَائِرِ الْفَرَائِضِ عَنِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ، وَقَالُوا: الْأَخْبَارُ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْإِكْفَارِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ نَظِيرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْإِكْفَارِ بِسَائِرِ الذُّنُوبِ نَحْوَ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وَ«لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ» وَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» «وَالطِّيَرَةُ شِرْكٌ» «وَمَا قَالَ مُسْلِمٌ لِمُسْلِمٍ: كَافِرٌ إِلَّا بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا» وَمِمَّا أَشْبَهَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ.

قَالُوا: وَقَدْ وَافَقَنَا جَمَاعَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ بَعْضَ هَذِهِ الذُّنُوبِ لَا يَكُونُ كَافِرًا مُرْتَدًّا يَجِبُ اسْتِتَابَتِهِ وَقَتْلِهِ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ لَمْ يَتُبْ، وَتَأَوَّلُوا لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ تَأْوِيلَاتٍ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلَاتِهَا. قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ الَّتِي جَاءَتْ فِي إِكْفَارِ تَارِكِ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا احْتَمَلَهُ سَائِرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَاحْتَجُّوا مَعَ هَذَا لِتَرْكِهِمُ الْإِكْفَارَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ بِأَخْبَارٍ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا لَا يَكْفُرُ إِذَا لَمْ يَتْرُكُهَا إِبَاءً، وَلَا جُحُودًا، وَلَا اسْتِكْبَارًا".

فهذا النقل من الإمام محمد بن نصر عن جماعة من أهل الحديث وسوقه لأدلتهم على عدم كفر تارك الصلاة كسلًا لا جحودًا يرد ما ينقله ممن يسمى إجماعًا وهو ليس كذلك.

أضف إلى ذلك ما نقله عن الشافعي وأصحابه، وعن الزهري.

قال رحمه الله في [تعظيم قدر الصلاة] (2/956-957) بعد نقله لأدلة من لا يكفر تارك الصلاة كسلًا:

"قَالُوا: فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ حَتَّى تُجَاوِزَ وَقْتَهَا غَيْرَ كَافِرٍ. قَالُوا: وَفِي اتِّفَاقِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّارِكَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا مُتَعَمِّدًا يُعِيدُهَا قَضَاءً، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ مَا تَرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.

وَكَانَ مِمَّنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَصْحَابُهُ: أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي مُوَافِقِيهِمْ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله الْأُوَيْسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ، يَتْرُكُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "إِنْ كَانَ إِنَّمَا تَرَكَهَا أَنَّهُ ابْتَدَعَ دِينًا غَيْرَ دِينِ الْإِسْلَامِ قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ ضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا وَسُجِنَ.

 

فلماذا لم يرفع الحدادية رأسًا بهذه النقول عن محمد بن نصر، والتي تدل على بطلان دعاوى الإجماع على كفر تارك الصلاة؟!

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير