الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » الذب عن الخليفة الراشد عثمان وعن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على الدوام "رد على يوسف العنابي" "الحلقة الأولى"

الذب عن الخليفة الراشد عثمان وعن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على الدوام "رد على يوسف العنابي" "الحلقة الأولى"


عدد الزيارات عدد الزيارات : 4717     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 1671


الذب عن الخليفة الراشد عثمان

وعن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على الدوام

"رد على يوسف العنابي"



"الحلقة الأولى"




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد- فقد اطلعتُ على مقال نشر في "شبكة العلوم"، عنوانه:

 "بيان الغلط في تضعيف الشيخ ربيع لأثر ابن عمر –رضي الله عنهما-", لكاتبه يوسف بن العيد بن صالح العنابي الجزائري.

 يدافع فيه عن أثر رواه هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وفيه أن أذان عثمان يوم الجمعة بدعة، وفي بعض طرقه بدعة ضلالة، كما يزعم.

1- لقد استمات العنابي في إثبات صحة هذا الأثر، وأن هشام بن الغاز ثقة، ولم يكتف بسوق أسماء من وثّقوه، الذين لم يدرك أن بعضهم وثقه اتباعاً لمن يجله ونجله نحن وكل أهل الحديث كابن معين، وبعضهم لا يعد من أئمة الجرح والتعديل.

 ولا يحسب أي حساب لقول الإمام أحمد وأبي حاتم في هشام إنه صالح الحديث، ولا لقول ابن معين: لا بأس به.

2- لم يكتفِ بهذا، بل اجتهد في تتبع أقوال الإمام أحمد فيمن يقول فيهم تارة: فلان صالح الحديث، وتارة يقول فيه: ثقة ، فسرد تسعة وعشرين رجلاً في سبع صحائف.

ولكنه لم يستطع أن يثبت عن أحمد الذي قال في هشام: "إنه صالح الحديث"، لم يستطع أن يثبت أنه قال فيه: "ثقة"، ولم يدرك أن هذا جهد ضائع، لا يفيد هشاماً.

3- ذهب يسرد كل ما وقف عليه من روايات هشام لتأكيد أنه ثقة، بل كلمة "ثقة" عنده تعني أنه حافظ، مخالفاً أئمة الحديث في ذلك.

 ولتكثير مرويات هشام وقع من حيث يشعر أو لا يشعر في تكرار بعض الروايات، حتى أنه ليذكر بعض الروايات ثلاث مرات.

ولقد أطال الكلام في هذا المقال، ولن أناقشه في كل أقواله التي لا فائدة من ضياع الوقت في مناقشتها، وسأقتصر على مناقشة مرويات هشام التي أوردها في مقاله، ولا أزيد على ذلك إلا ما تدعو إليه الحاجة.

وسوف أناقش مرويات هشام في ضوء منهج السلف، وعلى طريقتهم في سبر مروياته، بمشيئة الله وتوفيقه.

 وقبل الدخول في مناقشات روايات هشام أحب أن أُبيِّن وجوب قبول أخبار الثقات وقبول توثيق أو جرح الأئمة النقاد ما لم يتبيّن الخطأ في أخبارهم أو في توثيق الأئمة أو تجريحهم.

فأقول: أخبار الثقات يجب قبولها؛ لأن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تقوم إلا عليها، ولا دين لمن لا يؤمن بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي لا تعلم إلا عن طريق الثقات.

        ولضمان وصول سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسلمين سليمة خالصة مما قد يشوبها من روايات الكذابين والمتهمين والضعفاء الذين يفحش غلطهم قام أئمة الجرح والتعديل الأفذاذ بنقد الرجال للتمييز بين ثقات الناقلين وغيرهم من الكذابين والمتهمين بالكذب والمتروكين والضعفاء على اختلاف أصنافهم.

ومن أولئك الأفذاذ الإمام يحيى بن معين -رحمه الله-، الذي يعتبر من أشدهم غيرة على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن أشدهم جرحاً للكذابين والمتهمين والمبتدعين والضعفاء.

        وقام عدد من تلاميذه النجباء بتأليف عدد من الكتب التي تضمّنت جرح وتعديل هذا الإمام.

ومن سنة الله في البشر أنهم مهما بلغوا من العلم والحفظ والنباهة فإنهم يقع منهم الخطأ والسهو.

 ومن حفظ الله لدينه أن يوجد من عباده المؤمنين النبهاء من يُبيِّن هذه الأخطاء حفظاً لدينه وحماية له من أن يشوبه شيء من الأخبار الضعيفة والباطلة.

وابن معين على منـزلته العظيمة في حماية الدين وعلى مكانته في الحفظ والضبط قد يقع منه الخطأ، وهذا الخطأ يعتبر قطرات في بحر علمه وحفظه الواسع ونقده الصواب، وقد هيأ الله من يُبيِّن هذا الخطأ وأخطاء غيره كما هو الواقع، وذلك كما ذكرنا من حفظ الله لدينه.

وأجدني مضطراً لذكر بعض ما وجدته من أخطائه في تعديل من لا يستحق التعديل.

قال الحاكم:

"1- إبراهيم بن أبي حية وأبو حية اسمه اليسع بن أشعث من أهل مكة. يروي عن جعفر بن محمد وهشام بن عروة المناكير، روى عنه أبو مسلم المستملي".

قال ابن معين: "شيخ ثقة". تاريخ الدارمي (159)، الجرح والتعديل (2/96)، الترجمة (260)، وقال ابن المديني: "ليس بشيء". اللسان (1/53). وقال البخاري: "منكر الحديث". التأريخ الكبير (ق1/ج1/283)، الضعفاء رقم (3). وقال أبو حاتم: "منكر الحديث". الجرح والتعديل (2/96)، الترجمة (260). وقال النسائي: "ضعيف". الضعفاء رقم (2). وقال ابن حبان: "يروي عن جعفر بن محمد، وهشام بن عروة مناكير وأوابد يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها". كتاب المجروحين (1/103).

"المدخل إلى الصحيح للحاكم، والتعليق عليه" (1/164).

"2- خالد بن عبد الرحمن: أبو الهيثم الخراساني، ويقال: العبدي. روى عن سماك ابن حرب ومالك بن مغول أحاديث موضوعة، حدث بها عنه عيسى العسقلاني الناس".

قال أبو حاتم: "لا بأس به كان يحيى بن معين يثني عليه خيراً". وقال أبو زرعة: "لا بأس به". الجرح والتعديل (1/342)، الترجمة (1540). وقال ابن حبان: "كان ممن يخطئ حتى خرج عن حد العدالة لكثرته، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد". كتاب المجروحين (1/281). وقال العقيلي: "في حفظه شيء". الضعفاء (1/116). وقال ابن عدي: "ليس بذاك". الكامل (1/229). وقال الحافظ: "صدوق له أوهام، من التاسعة"./دس. تقريب (1/215). وانظر الميزان (1/633)"، "المدخل إلى الصحيح للحاكم والتعليق عليه"(1/182) .

"3- داود بن المحبر بن قحذم: كنيته أبو سليمان. حدّث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة. حدّثونا عن الحارث بن أسامة عنه بكتاب العقل وأكثر ما أودع ذلك الكتاب من الحديث موضوع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كذّبه أحمد بن حنبل جزاه الله عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- خيراً".

وهو بصري. قال ابن معين: "وكان داود ثقة ولكنه جفا الحديث ثم حدث". التأريخ (1/145). وقال البخاري: "منكر الحديث شبه لا شيء". التاريخ (1/2/223)، الضعفاء (110). وقال أحمد: "شبه لا شيء". التأريخ للبخاري، الموضع السابق. وقال أبو حاتم: "غير ثقة ذاهب الحديث منكر الحديث". وقال أبو زرعة: "ضعيف الحديث" (3/424)، الترجمة (1931). وقال ابن حبان: "وكان يضع الحديث على الثقات ويروي عن المجاهيل المقلوبات، كان أحمد بن حنبل يقول: "هو كذاب" كتاب المجروحين (1/291). وقال الدارقطني: "يضع، وقال متروك". الضعفاء (ل5). وفي المطبوعة رقم (208). وانظر الميزان (2/20). وقال الحافظ: "متروك وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات". /ق. تقريب"، "المدخل إلى الصحيح للحاكم والتعليق عليه" (1/183).

وقال المعلمي في "التنكيل" (1/67) منبهاً على أخطاء قد تحصل من الإمام يحيى بن معين في توثيقه لبعض الأشخاص:

"فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب:

1- الأسقع بن الأسلع.

2- والحكم بن عبد الله البلوي.

3- ووهب بن جابر الخيواني وآخرون.

 وممن وثقه النسائي رافع بن إسحاق وزهير بن الأقمر وسعد بن سمرة وآخرون .

 وقد روى العوام بن حوشب:

4- عن الأسود بن مسعود .

5- عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثاً، ولا يعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية فوثقهما ابن معين.

 وروى همام عن قتادة:

6- عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب حديثاً، ولا يعرف قدامة إلا في هذه الرواية فوثقه ابن معين مع أن الحديث غريب وله علل أخرى، راجع ( سنن البيهقي ) ج3 ص 248" .

ثم قال: "ومن الأئمة من لا يوثق من تقدمه حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي .

 وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي([1]) ، وقد صرّح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح ، نص على ذلك في ( الثقات ) وذكره ابن حجر في ( لسان الميزان ) ج 1 ص 14 واستغربه ، ولو تدبر لوجد كثيراً من الأئمة يبنون عليه فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعناً في دينه وثقه ، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره . وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخاً فسمع منه مجلساً ، أو ورد بغداد شيخ فسمع منه مجلساً فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سئل عن الشيخ ؟ وثقه".

ثم أشار إلى مذهب ابن حبان في التساهل في التوثيق.

أقول: ولا يسلم أحد بعد الأنبياء من الأخطاء والأوهام في رواية الحديث وغيره، حتى كبار الحفاظ يقعون في هذه الأخطاء والأوهام.

1- فهذا الإمام ابن عيينة الجبل في الحفظ يوهن أبو حاتم بعض رواياته.

 قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" رقم (60):

" وسألتُ أبِي عَن حدِيثٍ رواهُ ابنُ عُيينة ، عن سعِيدِ بنِ أبِي عرُوبة ، عن قتادة، عن حسان بن بلال ، عن عمار ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: فِي تخليل اللحية.

قال أبِي : لم يحدث بِهذا أحدٌ سوى ابن عُيينة ، عنِ ابنِ أبِي عرُوبة.

قلت : هُو صحيح ؟ قال : لو كان صحيحًا لكان فِي مصنفات ابن أبِي عروبة ، ولم يذكر ابن عُيينة فِي هذا الحديث الخبر، وهذا أيضًا مما يوهنه".

وهذا أبو حاتم يُضعِّف حديثاً تفرّد به الإمام الحافظ سفيان بن عيينة، وليست هذه قاعدة مطردة عنده وعند الأئمة، ولكن يكون هذا منهم لقرائن تدل على وهم الراوي ولو كان من كبار الأئمة الحفاظ.

وقد خطأ الإمام أحمد ابن عيينة في عدد من الأحاديث.

2- وهذا إبراهيم بن سعد الزهري، يقول الحافظ فيه:

"ثقة، حجة، تُكلِّمَ فيه بلا قادح".

قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" رقم (66):

" وسمِعتُ أبِي ذكر حدِيثًا، رواهُ إِبراهِيمُ بنُ سعدٍ ، عنِ الزُّهرِيِّ ، عن عَبدِ الرّحمنِ ابنِ يزِيد بنِ جارِية ، عن أبِي أيُّوب ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- : "لا تستقبِلُوا القِبلة، ولا تستدبِرُوها".

قال : اتا هذا بايده([2]) ، وهُو خطأٌ ، الصّحِيحُ : عنِ الزُّهرِيِّ ، عن عطاءِ بنِ يزِيد، عن أبِي أيُّوب ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-".

3- وهذا شبابة بن سوار الراوي عن هشام بن الغاز يقول فيه الحافظ: "ثقة حافظ، رمي بالإرجاء".

قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" رقم (1557):

" وسألتُ أبِي عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ شبابةُ ، عن شُعبة ، عن بُكيرِ بنِ عطاءٍ ، عنِ ابنِ يعمُر : أنَّ النّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- : نهى عنِ الدُّبّاءِ ، والمُزفّتِ.

قال أبِي : هذا حدِيثٌ مُنكرٌ لم يروِهِ غيرُ شبابة ، ولا يُعرفُ لهُ أصلٌ".

وأورد ابن عدي شبابة في "كامله" (4/513-514) رقم (908)، وذكر كلام العلماء فيه، ما بين موثق وطاعن.

وضرب ثلاثة أمثلة لأخطائه في روايته عن شعبة، ومنها هذا الحديث الذي خطأه فيه أبو حاتم.

ثم قال ابن عدي: "وهذه الأحاديث الثلاثة التي ذكرتها عن شبابة عن شعبة هي التي أُنكرت عليه".

أقول: ولا يبعد أن له أخطاء في روايته عن شعبة وغيره.

وكم في كتب العلل والرجال من الأخطاء التي وقع فيها عدد من الحفاظ المتقنين ، فهل من العدل والإنصاف أن يسلم بأخطاء الحفاظ الجبال، ولا يسلم بخطأ هشام بن الغاز في أثر واحد تفرد به؟

  وتقوم الدنيا وتقعد في الدفاع عنه، والشدة والإغلاظ على من ينتقده في أثر منكر شديد النكارة في مبناه ومعناه.

4- وهذا عبد الرزاق الصنعاني، قال فيه الحافظ: "ثقة، حافظ، مصنف، شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع (ع)".

قال ابن أبي حاتم في "علل الحديث" (1470):

"1470- وسألتُ أبِي عَن حدِيثٍ ؛ رواهُ عبدُ الرّزّاقِ ، عن مَعْمَرٍ ، عنِ الزُّهرِيِّ، عن سالِمٍ ، عن أبِيهِ ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- : أنّهُ رأى على عُمر بنِ الخطّابِ ثوبًا جدِيدًا ، فقال : البس جدِيدًا ، وعِش حمِيدًا ، وتوفّ شهِيدًا ، ويرزُقُك اللَّهُ قُرّة عينٍ فِي الدُّنيا ، والآخِرةِ.

ورواهُ عبدُ الرّزّاقِ أيضًا ، عنِ الثّورِيِّ ، عن عاصِمِ بنِ عُبيدِ اللهِ ، عن سالِمٍ ، عن أبِيهِ ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- : مِثلهُ ، فأنكر النّاسُ ذلِك ، وهُو حدِيثٌ باطِلٌ ، فالتمِسِ الحدِيث هل رواهُ أحدٌ.

فوجدُوهُ قد رواهُ ابنُ إِدرِيس ، عن إِسماعِيل بنِ أبِي خالِدٍ ، عن أبِي الأشهبِ النّخعِيِّ ، عن رجُلٍ مِن مُزينة ، عنِ النّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم ، فذكر مِثلهُ"

وهو في "مصنف عبد الرزاق" (11/223) برقم (20382).

        وقال الحافظ ابن رجب في "شرح العلل" (2/606):

        "قال أحمد في رواية الأثرم: "سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جداً، روى عنه عن عبيد الله أحاديث مناكير، هي من حديث العمري، وأما سماعه باليمن فأحاديث صحاح".

        وقال -أيضاً- في (ص607): "وذكر لأحمد حديث عبد الرزاق عن الثوري عن قيس عن الحسن بن محمد عن عائشة قالت: "أُهدي للنبي -صلى الله عليه وسلم- وشيقة لحم وهو محرم فلم يأكله"، فجعل أحمد ينكره إنكاراً شديداً. وقال: "هذا سماع مكة"".

5- وهذا معمر بن راشد، قال فيه الحافظ ابن حجر:

" معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة..."(ع).

وقال الحافظ ابن رجب في "شرح علل الترمذي" (2/602) في معمر:

"حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير ، وحديثه باليمن جيد .

قال أحمد في رواية الأثرم : (( حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين ، كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني باليمن -، وكان يحدثهم بخطأ بالبصرة)) .

وقال يعقوب بن شيبة : (( سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب ،لأن كتبه لم تكن معه)) .

وساق الحافظ ابن رجب ثلاثة أمثلة لما اضطرب فيه من الأحاديث.

انظر "شرح علل الحديث" (2/603-604).

وقد سلّم أهل الحديث وأئمتهم بهذا النقد لهؤلاء الأئمة الحفاظ في أخطائهم، فما بال العنابي وبعض زملائه لا يسلمون بتخطئة هشام بن الغاز -الذي لا يعد من الحفاظ- في رواية شديدة النكارة؛ لأنها تتضمّن الطعن في أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-.

وأقول للعنابي: إن الذي يقوي بحثك ويظهر غلطي أن تثبت أن الصحابة أنكروا هذا الأذان على عثمان –رضي الله عنه-، وأن التابعين وأئمة الإسلام أخذوا بأثر هشام هذا، وصرّحوا بأن الأذان العثماني بدعة ضلالة، هذا الذي يقوي بحثك.

أما وأنت صفر اليدين من هذين الأمرين فأنت صاحب الغلط، ولو ملأت مجلدات بالكلام.

وأنصحك يا ولدي بالتواضع والإنصاف والإخلاص لله، والجد في طلب العلم ومعرفة منهج السلف في "الجرح والتعديل"، وأن تسلك مسلك الصحابة والتابعين لهم بإحسان في احترام هذا الأذان، وأن له أصلاً في الشريعة الإسلامية، وأن تدع العجلة في الردود، والتحامل على من عرف منهج السلف وسار عليه قبل أن تولد بسنين وسنين والصواب والبراهين معه، والصحابة والتابعون لهم بإحسان قدوته وأئمته.

وأرجو أن تستفيد أنت وغيرك من قول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- الذي تلقّاه علماء الأمة بالقبول ونقلوه في دواوين العقيدة على سبيل الاحتجاج به على أهل البدع والضلال.

قال عبد الله بن أحمد –رحمه الله- في "السنة" رقم (766):

"حدثني أبي، نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: قال عمر ابن عبد العزيز: "سنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله -عز وجل- واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدياً بها هدي، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى".

وهو في "الإبانة" لابن بطة برقم (233) بإسناده إلى عبد الله بن أحمد عن أبيه به.

وأورده ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" برقم (2326) بإسناده إلى عبد الرحمن ابن مهدي عن مالك بن أنس به.

وهذا الإسناد فيه انقطاع بين مالك وعمر بن عبد العزيز.

وينجبر بما يأتي:

1- أنه قد جاء متصلاً من وجه آخر، فقد أورده اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" برقم (134)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" برقم (455) بإسناديهما إلى يعقوب ابن سفيان، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا رشدين بن سعد، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عمر بن عبد العزيز به.

وأورده الآجري في "الشريعة" برقم (92) بإسناده إلى مطرف بن عبد الله يقول : سمعت مالك بن أنس -رضي الله عنه- إذا ذُكر عنده الزائغون في الدين يقول : قال عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- : "سن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولاة الأمر من بعده سنناً...الخ.

وذكر محقق "الشريعة" الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي في تخريجه لهذا الأثر أن الخلال أورد هذا الأثر في الإيمان (ق125).

2- إنا لا نعرف أحداً من العلماء اعترض على كلام هذا الخليفة عمر بن عبدالعزيز.

فهذا الأثر القيّم تلقّاه الأئمة بالقبول، ومنهم أئمة العقائد الذين يسوقونه في كتبهم خلال ردودهم على أهل البدع والضلال.

ولا أعرف في حدود علمي من انتقد هذا الأثر أو اعترض عليه، بل ما نرى من العلماء إلا الاحتجاج به.

وذلك لأن له ما يسنده من السنة المطهرة كحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

 وكتصرفات الخلفاء الراشدين التي أجمع عليها الصحابة.

 مثل: جمع أبي بكر -رضي الله عنه- الصحائف في مصحف واحد بإشارة من عمر -رضي الله عنه-.

 ومثل جمع عثمان -رضي الله عنه- الناس على مصحف واحد، وإحراق ما عداه من المصاحف.

ومثل جمع عمر -رضي الله عنه- الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.

وكلها تصرفات رشد وهدى وحق.

والأذان الذي سنّه عثمان –رضي الله عنه- من هذا الباب عند أولي النهى والألباب.

 وإذا كان هناك معترض عليه، فليعلن اعتراضه على هذه التصرفات الرشيدة، وإذا سلّم بهذه التصرفات، فيلزمه التسليم بهذا الأذان.

قال الإمام أبو بكر بن المنذر –رحمه الله- في كتابه "الأوسط" (4/63):

"أمر عثمان بن عفان لما كثر الناس بالنداء الثالث في العدد، وهو الأول الذي بدأ به بعد زوال الشمس بين المهاجرين والأنصار، فلم يكره أحد منهم علمناه، ثم مضت الأمة عليه إلى زماننا هذا".

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول في "منهاج السنة النبوية" (3/205):

" ثم من العجب أن الرافضة تنكر شيئاً فعله عثمان بمشهد من الأنصار والمهاجرين ولم ينكروه عليه واتبعه المسلمون كلهم عليه في أذان الجمعة".

أقول: إن اعتبار هذا الأذان بدعة ضلالة – وقد سلّم به المهاجرون والأنصار والمسلمون بعدهم- لأمر خطير وخطير جداً.

هذا وسأناقش ما يستحق المناقشة من أقوال العنابي:

أولاً- قال العنابي في مقدمة مقاله (ص2):

"فقد استوقفني نظري في بحث نشر للشيخ ربيع -وفقه الله- بعنوان: (الذب عن الخليفة الراشد عثمان -رضي الله عنه-)، وهالني ما ذكر فيه من تضعيف أثر ابن عمر-رضي الله عنهما- وما فيه مِن بُعدٍ عن مسلك أئمة الحديث والعلل في التضعيف والإعلال، بما يشنف آذان أهل الأهواء للتطلع إلى تضعيف أحاديث الثقات بغير حجة، وهذا مسلك لا يرضاه الشيخ ربيع -حفظه الله- للسنة النبوية ورجالها البتة، ولكن الدفاع عن الخطأ الصادر من هؤلاء المفتونين جر إلى هذا الخطأ، والشيخ -حفظه الله- عزيز وكبير عندنا، ولكن الحق أعز منه وأكبر".

       

أقول:

1- لم أُضعِّف هذا الأثر إلا بحجج قوية جداً، منها أنه أثر منكر يتضمّن الطعن في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن اتبعهم بإحسان، ولكنك لم تعتد بها.

ومنها ما أسلفته من تصرفات الخلفاء الراشدين التي أجمع عليها الصحابة، ومنها الأذان العثماني.

2- قولك: " وما فيه مِن بُعدٍ عن مسلك أئمة الحديث والعلل في التضعيف والإعلال".

أقول: لم أنطلق في تضعيفه إلا من صميم مسلك أهل الحديث، فعليك بالإنصاف والتواضع ومراقبة الله في ما تقول، (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)

3- كان الواجب أن يهولك ويقض مضجعك ما تضمّنه هذا الأثر المنكر من طعن في أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- .

4- إن نفاحكم أنت وأمثالك عن هذا الأثر المنكر لمما يشنف آذان أهل الضلال أعداء الصحابة الكرام من الروافض والخوارج وغيرهم، لو كنتم تعلمون.

5- قولك: " ولكن الدفاع عن الخطأ الصادر من هؤلاء المفتونين جر إلى هذا الخطأ".

أقول: ما دليلك أني أدافع عن أناس مفتونين؟

أنا أدافع عن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- على منهج أهل السنة والتوحيد.

        6- وأقول: سبحان الله، الذي يذب عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعتبره مفتوناً بمقاييسكم، هذا منطق غريب.

ثانياً- قال العنابي في (ص8):

"وسنسوق للقارئ ما تقرّ به عينه، وتسكن إليه نفسه، من توثيق الأئمة لهشام بن الغاز، ونقض ما تمسك به الشيخ ربيع –وفقه الله- من أقوال الأئمة في تضعيفه، وغير ذلك مما ذكره، بما لم يبق في ردّه شك بإذن الله تعالى".

أقول: لا تقر عين أحد برواية منكرة مؤداها الطعن في أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ بأنهم يقرون بدعة تعلن في كل أسبوع في أعلى الأماكن، والله قد أثنى عليهم بأنهم خير أمة، فقال: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ".

ثالثاً- قال العنابي في (ص8):

"أقوال أئمة الحديث في توثيق هشام بن الغاز:

1- الإمام يعقوب بن سفيان الفسوي –رحمه الله-:

قال يعقوب في "المعرفة والتاريخ" (ص272): (ابن جابر ثقة، وهشام (يعني ابن الغاز) ثقة".اهـ".

أقول: ما نقلته من توثيق يعقوب بن سفيان الفسوي إنما أخذه من عبد الرحمن بن إبراهيم، وهو دحيم، فعاد الأمر إلى دحيم.

 والدليل أن الفسوي إنما هو متابع لدحيم: كلام الفسوي الآتي:

قال الفسوي في "المعرفة والتأريخ" (2/394):

"فقلت لعبد الرحمن: محمد بن مهاجر ؟ قال: ثقة. قلت: هشام ابن الغاز ؟ قال: ما أحسن استقامته في الحديث([3])، قال: وكان الوليد يثني عليه وعلى ابن جابر. قال: وذكر ابن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: احضروا موتاكم بخير. وقال هشام عن مكحول إن عمر قال، فقلت: ابن جابر ثقة وهشام ثقة فكيف اختلفوا ؟ قال: فحدثني الغضور قال سمعت مكحولاً يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فعرفت أنهم لم يغلطوا.

فسألت أبا سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم: أي أصحاب مكحول أعلى ؟ قال: سليمان بن موسى ويزيد بن يزيد بن جابر والعلاء بن الحارث.

قلت له: الأوزاعي كان قليل المجالسة لمكحول ؟ قال: أجل.

قلت: فسعيد بن عبد العزيز ؟ قال: نعم".

أقول: وبهذه الأسئلة من الفسوي يظهر أنه تلميذ لعبد الرحمن بن إبراهيم، تابع له في الكلام على هؤلاء المذكورين، ثم انظر كيف قدّم دحيم سليمان بن موسى والعلاء بن الحارث-وهما صدوقان عنده- على هشام بن الغاز في مكحول، ويرى أنهما أعلى منه.

 

رابعاً- قال العنابي في (ص8):

"2- الإمام أبو حاتم الرازي –رحمه الله-:

قال ابنه الإمام ابن أبي حاتم –رحمهما الله- في ترجمة عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي:

"سمعته يقول: لا بأس به صالح الحديث، هو من ثقات الحمصيين بابة عتبة بن أبي حكيم وهشام بن الغاز"، "الجرح والتعديل" (6/128)".

أقول: تأمل أيها المنصف جيداً كلام أبي حاتم.

حيث قال في ترجمة عمر بن عمرو الأحموسي: "لا بأس به صالح الحديث هو من ثقات الحمصيين بابة عتبة بن أبي حكيم وهشام بن الغاز".

وعتبة بن أبي حكيم نقل أبو حاتم أن الإمام أحمد كان يوهنه قليلاً.

 ثم قال ابن أبي حاتم: "انا أبو بكر بن أبي خيثمة فيما كتب إليَّ قال: سمعت يحيى ابن معين يقول: عتبة بن أبى حكيم ضعيف الحديث.

قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال: صالح، لا بأس به".

فهذا الإمام أحمد يوهن عتبة بن أبي حكيم قليلاً، وابن معين يقول فيه: ضعيف، وأبو حاتم يقول: صالح، لا بأس به.

وهو وهشام بن الغاز عنده من بابة واحدة.

 فالنتيجة هي أن هشام بن الغاز عند أبي حاتم وابنه "صالح، لا بأس به" ، وهما لا يحتجان بمن يقال فيه: إنه صالح، أو لا بأس به.

وقال الحافظ ابن حجر في عتبة بن أبي حكيم: "صدوق يخطئ كثيراً".

وقال الذهبي في "الكاشف" : مختلف في توثيقه".

والذي يدرس مرويات هشام بن الغاز يصل إلى أنه صدوق، كثير الخطأ، أو صالح الحديث كما قال الإمام أحمد، ولا يبعد عن عتبة بن أبي حكيم في نظري.

        خامساً- قال العنابي في (ص8):

        " 3- الإمام ابن معين رحمه الله:

1) قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. الجرح والتعديل (9/67).

2) قال ابن محرز عن يحيى بن معين: ثقة. روايته عن ابن معين (الترجمة412)- كما في حاشية تهذيب الكمال-.

3) أما رواية الدوري؛ فسيأتي –بإذن الله- ذكرُها، وبيان موافقتها لرواية غيره عن ابن معين".

        أقول: في تأريخ الدوري برقم (5309): "وهشام بن الغاز ليس به بأس".

        فلماذا تؤجل ما نقله الدوري عن ابن معين، وهو يؤكد أن هشاماً عند ابن معين لا بأس به.

        سادساً- قال العنابي في (ص8):

        "4- الإمام عبد الرحمن بن إبراهيم -دحيم- رحمه الله:

نقل عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم قوله في هشام بن الغاز: ثقة. "تهذيب الكمال".

وقال يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (2/394) قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم- يعني دحيماً-: هشام بن الغاز؟ قال: ما أحسن استقامته في الحديث. اهـ

وهذا اللفظ من ألفاظ التوثيق، وهو موافق لقوله الأول.

ولذلك تجد الذهبي في "الميزان"، و"تأريخ الإسلام"، وصاحب "الوافي بالوفيات" (7/420) وغيرهم، ينقلون عن دحيم توثيقه لابن الغاز".

 

        سابعاً- زاد العنابي في الطبعة المعدلة (ص9) الكلام الآتي:

"ودحيم شامي، وهو أعرف بأهل بلده، وقد صرح باستقامة ابن الغاز في الحديث، قال العلامة المعلمي –رحمه الله تعالى-: (استقامة الراوي([4]) تثبت عند المحدث بتتبعه حديث الراوي واعتبارها، وتبين أنها كلها مستقيمة تدل على أن هذا الراوي كان من أهل الصدق والأمانة"، "التنكيل" (1/76).

أقول: أثبت بالبراهين أن كل مَنْ نقلتَ عنهم توثيق هشام أنهم قد قاموا بتتبع أحاديث هشام واعتبارها، فوجدوا أن كلها مستقيمة، فوثقوه بناء على هذا التتبع والاعتبار.

أما أنا فأعتقد أن كثيراً منهم، ولا سيما المتأخرين إنما تابعوا المتقدمين مثل ابن معين ودحيم بدون تتبع ولا اعتبار.

 

ثامناً- قال العنابي في (ص9):

"5- الإمام ابن سعد –رحمه الله-:

قال ابن سعد: وكان ثقة. "الطبقات الكبرى" لابن سعد (7/468)".

أقول: محمد بن سعد ليس من أئمة الجرح والتعديل، قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (7/262): "محمد بن سعد صاحب الواقدي وكاتبه... سألت أبي عنه، فقال: يصدق رأيته جاء إلى القواريرى وسأله عن أحاديث فحدثه.

وقال الحافظ ابن حجر: "صدوق، فاضل".

ومن في هذه المرتبة لا يعد من أهل الجرح والتعديل.

تاسعاً- قال العنابي في (ص9):

"6- الإمام محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي –رحمه الله-:

قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي في هشام بن الغاز: ثقة. كما في "تأريخ بغداد" (14/44)".

أقول: وأما محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي فثقة حافظ إلا أن الذي روى عنه هذا التوثيق لهشام وهو الحسين بن إدريس الأنصاري مشكوك في أمره.

فقد أورد ترجمته ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (3/47) فقال:

" الحسين بن إدريس الأنصاري المعروف بابن خرم الهروي، روى عن خالد بن الهياج بن بسطام كتب إلي بجزء من حديثه عن خالد بن الهياج بن بسطام فأول حديث منه باطل وحديث الثاني باطل وحديث الثالث ذكرته لعلي بن الحسين بن الجنيد فقال لي أحلف بالطلاق أنه حديث ليس له أصل.

وكذا هو عندي، فلا أدري منه أو من خالد بن هياج بن بسطام".

أقول: لقد ساق ابن أبي حاتم هذا الكلام في ترجمة هذا الرجل ولم يوثقه، ولم ينقل عن أحد توثيقه، بل ساق في ترجمته ثلاثة أحاديث باطلة، وصرّح بالشك فيمن هو المتهم أهو الحسين بن إدريس أم من شيخه خالد بن الهياج، وبناء على هذا فلا يعتد بهذا التوثيق من محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي.

عاشراً- قال العنابي في (ص9):

"7- الثقة المأمون صدقة بن خالد -رحمه الله-:

قال يعقوب في "المعرفة والتأريخ" (2/394): (حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا صدقة بن خالد، قال: حدثنا أبو العباس هشام بن الغاز وهو ثقة".اهـ

وصدقة بن خالد، هو الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، روى الميموني عن أحمد بن حنبل أنه قال: ثقة مأمون . "سؤالاته" (511).

وهو ممن نقل الأئمة جرحه وتعديله في كتبهم؛ فهذا الإمام المزي –رحمه الله- ينقل عنه في عدة تراجم في "تهذيب الكمال" (8/98)، و (10/497-498)، و (30/260)، وهذا الأخير هو الموضع الذي وثق فيه ابن الغاز.

وهو ممن روى عن هشام بن الغاز وباشر سماع حديثه؛ فيكون توثيقه مبنياً عن دراية بحال حفظه واتقانه".

 

أقول: وأما صدقة بن خالد فعلى ثقته ليس من أئمة الجرح والتعديل، والراوي عنه لهذا التوثيق وهو هشام بن عمار، قال فيه الحافظ بن حجر: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح".

فنحن لا ندري هل روى هذه التزكية لهشام بن الغاز قبل اختلاطه أو بعده فيسقط الاحتجاج بها.

قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (1/10) مميزاً بين أئمة الجرح والتعديل وبين غيرهم، ولو كانوا من الثقات فضلاً عن من دونهم:

" [ مراتب الرواة ] فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث - فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.

ومنهم العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه، فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.

ومنهم الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحياناً وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه.

ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.

وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته".

والنقاد هم العلماء بالرجال أولو المعرفة، وهم أهل المرتبة الأولى.

الحادي عشر- قال العنابي في (ص9-10):

"8- الحافظ عبد الرحمن بن يوسف بن خراش:

قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش: كان من خيار الناس. كما في "تاريخ بغداد" (14/44).

وهذا اللفظ من ألفاظ التوثيق، وابن خراش مطعون فيه، وتوثيقه هنا قد توبع عليه".

أقول: عبد الرحمن بن يوسف بن خراش رافضي.

قال أبو زرعة: محمد([5]) بن يوسف الحافظ كان خرّج مثالب الشيخين، وكان رافضياً.

وذكر عبدان أنه وضع جزأين في مثالب الشيخين.

انظر "الميزان" (2/600)، فكيف تعد هذا الرافضي الأفاك من أهل التوثيق، وهو العدو الألد للصحابة، لا سيما

الشيخين أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما-؟.

وهل مثل هذا الرافضي يقبل في المتابعات؟

الثاني عشر- قال العنابي في (ص10):

"9- الحافظ ابن حجر العسقلاني –رحمه الله-:

وقد لخص الحافظ ابن حجر حال هشام بن الغاز بعد الجمع بين أقوال هؤلاء الأئمة -التي نقلها في التهذيب- فقال في "التقريب": ثقة .اهـ".

أقول: إن الحافظ لم يجمع بين الأقوال، ولو جمع بينها لما قال في هشام إنه ثقة، بل كان سيقول كما قال الذهبي: صدوق.

الثالث عشر- قال العنابي في (ص10):

"10- الإمام الذهبي –رحمه الله-:

حيث قال في كتابه "العبر في خبر من عبر" (وفيات ست وخمسين ومائة): (هشام بن الغاز الجرشي الدمشقي متولي بيت المال للمنصور. روى عن مكحول وطبقته. وكان من ثقات الشاميين وعلمائهم) اهـ".

أقول: هذه العبارة فيها تسامح مثل عبارة أبي حاتم، وقد لخص أقوال العلماء في هشام، فقال في "الكاشف": "صدوق عابد"، فلم يقتصر الذهبي على ما نقلته عنه، ولم ينقل قول ابن معين أنه ثقة.

ثم قال العنابي في (ص10):

"وقال في ترجمته من "سير أعلام النبلاء" (7/60): "الإمام المقرئ المحدث". اهـ

فهذا هو المعتبر -ولا شك- من قوله وفاقاً لأئمة الحديث، وهو أصوب من قوله في كتابه "الكاشف": صدوق عابد. اهـ".

أقول:

أ- قولك: "وفاقاً لأئمة الحديث" بهذا الإطلاق ليس بصحيح.

ب- قال الذهبي في الصحيفة المشار إليها من "السير":

" قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث.

وروى عباس عن يحيى: ليس به بأس.

وقال محمد بن عبد الله بن عمار: شامي ثقة.

وقال ابن خراش: كان من خيار الناس.

وقال الفسوي: سألت دحيماً عنه فقال: ما أحسن استقامته في الحديث".

جـ- ترجيحك لكلام الذهبي في "السير والعبر" على كلامه في "الكاشف" ليس بصحيح لأمرين:

1- أن كتابيه "السير والعبر" إنما هما من كتب التأريخ، وكتابه "الكاشف" من كتب الجرح والتعديل، والذهبي قد يتساهل في كتب التأريخ.

2- أهملت كلام ثلاثة أئمة، وهم الإمام أحمد وابن معين وأبو حاتم، فبأي حق تلغي كلامهم، وهو الصواب، بل هو دون ذلك، وروايته لأثر ابن عمر أن الأذان العثماني بدعة من أنكر المنكرات، ويترتب عليه شر كبير، ألا وهو الطعن في الصحابة، حيث لم ينكروا على عثمان هذه البدعة المزعومة، بل أقروها، وحاشا عثمان وحاشاهم –رضي الله عنهم- آلاف المرات من هذه الوصمة.

فإن الله قد زكاهم أعظم تزكية وشهد لهم أعظم شهادة بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).

فرواية ابن الغاز تعارض هذه الشهادة الربانية وغيرها من الشهادات الربانية والنبوية.

فأنصح من يحاول إثباتها بأن يتقي الله في نفسه، ولا يعرض نفسه لغضب الله حيث يعارض شهادته العليا العظيمة لأصحاب نبيه الكرام، ويعارض شهادة رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

كما عليه أن يبتعد عن إثارة الفتن بين المسلمين والتعرض لغضب أهل السنة الغيورين على هؤلاء الصحب الكرام.

وأنصح هؤلاء بلزوم منهج أهل السنة الذين اتفقوا على ذكر محاسن الصحابة والإشادة بها، والكف عن ذكر ضدها؛ لأن ذلك يؤدي إلى انتقاصهم ويؤدي إلى استغلال أعدائهم من الروافض لذلك أسوأ استغلال للطعن في الصحب الكرام.

       

الرابع عشر- قال العنابي في (ص10):

"11- الإمام أحمد بن عبد الله الخزرجي –رحمه الله-:

حيث قال في "خلاصته" (ص410) في ترجمة هشام بن الغاز معتمداً قول ابن معين: "وثقه ابن معين".اهـ".

أقول: اعتماد الخزرجي على توثيق ابن معين فيه نظر؛ لأنه أهمل قول ابن معين الآخر: "لا بأس به"، وكذا أهمل قول الإمام أحمد: "صالح"، وأهمل قول أبي حاتم الذي ضاهى به عتبة بن أبي حكيم، حيث قال فيه: "لا بأس به، صالح الحديث".

والظاهر أن الخزرجي لم يدرس مرويات هشام بن الغاز، ولو درسها لوافق الإمام أحمد وابن معين وأبا حاتم في أنه صالح أو لا بأس به، بل قد يدرك أنه دون ذلك.

 

الخامس عشر- قال العنابي في (ص10):

"12- الإمام الألباني -رحمه الله-:

في عدة مواضع من كتبه، منها:

1- حيث قال الإمام الألباني في كتابه "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان" (3/1493) في سند أحد رجاله هشام بن الغاز: (إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات).اهـ".

أقول: ستأتي دراسة الأحاديث التي يزعم العنابي أن العلامة الألباني صححها.

ثم أقول: إن الألباني لم يقل ببدعية أذان عثمان، بل يرى الأخذ بهذا الأذان عند الحاجة، وكل من ذكرتَ لم يصححوا رواية هشام التي هي موضع النـزاع، ولم يقولوا ببدعية أذان عثمان، فضاع جهدك.

السادس عشر- قال العنابي في (ص11):

"2- وقال الإمام الألباني في "جلباب المرأة المسلمة" (ص117) في سند أحد رجاله هشام بن الغاز: (الرواية الأولى عند البيهقي في "السنن" (7/95) من طريق عيسى ابن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نُسَيّ الكندي قال: كتب عمر..الخ. ورواه ابن جرير أيضاً (18/95).

قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع..).اهـ".

أقول:

        1- هذا الأثر مداره على هشام بن الغاز، وقد اضطرب فيه.

فتارة يرويه منقطعاً، كما في رواية عيسى بن يونس عنه عن عبادة بن نُسَيّ الكندي قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح...الخ.

وتارة يرويه متصلاً كما في رواية إسماعيل بن عياش عن هشام نفسه عن عبادة بن نُسَيّ عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة...الخ.

وهذا الاضطراب يدل على عدم ضبط هشام.

2- في نقل العنابي عن العلامة الألباني خلل، وذلك أن الألباني ساق لهذا الأثر إسنادين:

الأول- من طريق عيسى بن يونس، عن هشام منقطعاً.

والثاني- من طريق إسماعيل بن عياش عن هشام متصلاً، كما أسلفنا ذلك.

وقد ضعّف الألباني الحديث من الطريقين.

أعل أحدهما بالانقطاع، والآخر بجهالة نسي.

انظر "جلباب المرأة المسلمة" (ص115-126).

أما قول العلامة الألباني –رحمه الله-: "رجاله ثقات".

فمع جلالته لم ينتبه إلى اضطراب هشام في رواية هذا الأثر، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

السابع عشر- قال العنابي في (ص11):

"3- وقال الإمام الألباني في "تحريم آلات الطرب" (ص65-66): (..وقد خالفه هشام بن الغاز، فحدث عن أبيه عن جده ربيعة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " يكون في آخر أمتي الخسف والقذف والمسخ".

 قالوا : بم يا رسول الله؟ قال: "باتخاذهم القينات وشربهم الخمور" ...

 وأحمد بن زهير هو أحمد بن أبي خيثمة الحافظ ابن الحافظ، وقد عزاه إليه الحافظ في ترجمة " ربيعة الجرشي " من " الإصابة " وكذا في " الفتح " ( 8 / 292 ) وسكت عليه إشارة منه إلى قوته، كما جرى عليه فيه، وهو حري بذلك لأن رجاله ثقات غير الغاز بن ربيعة وقد وثقه ابن حبان ( 5 / 294 ) وترجم له ابن عساكر برواية ثلاثة عنه فمثله حسن الحديث إذا لم يخالف كما هنا فهو بذلك صحيح)".

أقول: ستأتي مناقشته إن شاء الله.

 

الثامن عشر- قال العنابي في (ص26):

"الوجه الثاني: عمل أئمة الحديث على تصحيح حديث ابن الغاز".

أقول: إن الذي يلزمك أن تثبت بالأدلة أن أئمة الحديث قد صححوا ذلك الأثر، الذي هو موضع النـزاع، فتكون بذلك:

1- قد أثبتَ غلطي، ونجحتَ في دفاعك عن ابن الغاز وأثره الذي انتقدتُه.

2- وأن تؤكد ذلك بتأييد الصحابة والتابعين له.

 أما بغير هذين الأمرين الهامين أو أحدهما فتكون قد خرجت عن موضع النـزاع ولو صحح أئمة الحديث غيره من روايات هشام بن الغاز.

 ومع خروجك عن موضع النـزاع، فسوف أناقش مرويات ابن الغاز التي سقتَها وتدّعي أن الأئمة قد صححوها، سوف أناقشها على طريقة السلف في النقد العلمي المؤيد بالأدلة والبراهين لئلا يغتر بعملك هذا طلاب العلم وعوام المسلمين فيقعوا في محظور شديد، وهو اعتقاد صحة أحاديث هشام بن الغاز كلها بما في ذلك الأثر المنكر الذي هو موضع النـزاع.

التاسع عشر- قال العنابي في (ص26):

" فمنهم: أ- الإمام الضياء المقدسي -رحمه الله- في "الأحاديث المختارة" فقد صحح له حديثاً (3/149) برقم (2665)".

أقول: هذا الحديث أخرجه -أيضاً- أبو داود برقم (5069).

ويلتقي إسناده مع الضياء في عبد الرحمن بن عبد المجيد عن هشام بن الغاز عن مكحول عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ أَوْ يُمْسِى اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَعْتَقَ اللَّهُ رُبْعَهُ مِنَ النَّارِ فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّهُ نِصْفَهُ وَمَنْ قَالَهَا ثَلاَثًا أَعْتَقَ اللَّهُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِهِ فَإِنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ".

وقد ضعّف العلامة الألباني هذا الحديث في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، برقم (1041).

وأعلّه بعلتين:

الأولى-  بعبد الرحمن بن عبد المجيد، قال عنه: إنه لا يعرف كما في " الميزان "، وقال الحافظ في " التقريب " : مجهول.

الأخرى : أنهم اختلفوا في سماع مكحول من أنس، فأثبته أبو مسهر، ونفاه البخاري، فإن ثبت سماعه منه فالعلة عنعنة مكحول، فقد قال ابن حبان : ربما دلس.

ثم قال: وللحديث طريق أخرى عن أنس، وساقه عن بقية من مصادر ، وأعلّه بعلتين.

إحداهما : عنعنة بقية، فإنه كان معروفاً بالتدليس.

والأخرى : جهالة مسلم بن زياد هذا، قال ابن القطان : حاله مجهول.

أقول: وقد وضع الحافظ ابن حجر مكحولاً في المرتبة الثالثة من مراتب التدليس، (ص113) من كتابه: "تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس".

فقال: "مكحول الشامي الفقيه المشهور تابعي يقال إنه لم يسمع من الصحابة إلا عن نفر قليل، ووصفه بذلك ابن حبان، وأطلق الذهبي أنه كان يدلس، ولم أره للمتقدمين إلا في قول ابن حبان".

والمرتبة الثالثة عنده هي مَنْ أكثر مِنْ التدليس، فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع، ومنهم من ردّ حديثهم مطلقاً، ومنهم من قبلهم كأبي الزبير.

وأزيد علة ثالثة، وهي سوء حفظ هشام بن الغاز .

        قال العنابي في (ص26):

"2- والإمام الحاكم -رحمه الله- في "المستدرك على الصحيحين":

1) حديث رقم (1047) (1/420).

2) حديث رقم (3276) (2/361).

3) حديث رقم (4501) (3/93).

4) حديث رقم (7603) (4/268)".

الكلام على الأحاديث التي رواها الحاكم في "المستدرك"، وأوردها العنابي في مقاله المردود عليه:

أقول:

العشرون- 1- قال الحاكم في "المستدرك" (1/283):

"1047- أنبأ عبد الله بن الحسين القاضي ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا محمد بن عيسى بن الطباع ثنا مصعب بن سلام عن هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج يوم الجمعة فقعد على المنبر أذن بلال هذا حديث صحيح الإسناد فإن هشام بن الغاز ممن يجمع حديثه ولم يخرجاه .

أقول: أعتقد أن هذا الأثر هنا هو الذي سمعه هشام بن الغاز من نافع عن عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما-.

 وهذا الأثر حق؛ لأنه يعضده أحاديث صحيحة؛ ولأنه خال من تلك الزيادة الباطلة التي تصم الأذان الذي سنّه الخليفة الراشد عثمان -رضي الله عنه- بأنه بدعة ضلالة، وتعود عليه وعلى الصحابة والتابعين بالطعن.

 فأنصحكم - لوجه الله- أنت وإخوانك بأن تأخذوا بهذا الأثر الخالي من تلك الزيادة الباطلة، ودعوا التعلق بها، وبذلك تكونون من المتبعين للصحابة بإحسان، وتبتعدون عن مصادمتهم ومشاقتهم، وذلكم خير لكم في الدنيا والآخرة، أسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير.

الحادي والعشرون- 2- قال الحاكم في "المستدرك" (2/331):

"3276- حدثني أبو النضر محمد بن محمد الفقيه بالطابران، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا هشام بن الغاز، أخبرني نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج، فقال للناس أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: الشهر الحرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر. فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فطفق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: اللهم اشهد. ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع" . هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة وأكثر هذا المتن مخرج في الصحيحين إلا قوله إن يوم الحج الأكبر يوم النحر سنة فإن الأقاويل فيه عن الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- على خلاف بينهم فيه فمنهم من قال يوم عرفة ومنهم من قال يوم النحر".

 

أقول:

1- في هذا الحديث من طريق هشام ثلاث مخالفات لحديث ابن عمر في الصحيحين، منها قوله: قال- أي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هذا يوم الحج الأكبر".

2- ونسب إلى ابن عمر أنه قال: ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع".

3- وقوع الأسئلة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأجوبة من الصحابة.

 والثابت في الصحيحين عن ابن عمر أن الأسئلة والأجوبة من رسول الله، فأما الصحابة فإنهم يقولون عند كل سؤال: "الله ورسوله أعلم"، وسيأتي بيان ذلك.

وما أعتقد أن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال هذا ولا ذاك، وإنما هما من أوهام هشام بن الغاز.

ومما يؤكد ما أقول ما رواه الإمام البخاري -رحمه الله-، حيث يقول في "صحيحه" رقم (4402، 4403):

حدثنا يحيى بن سليمان، قال: أخبرني ابن وهب، قال : حدثني عمر بن محمد أن أباه حدثه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: " كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ، وَقَالَ: "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ، أَنْذَرَهُ نُوحٌ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ، فَمَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ: أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ –ثَلَاثًا- إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ.

4403- أَلَا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ". قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ – ثَلَاثًا- وَيْلَكُمْ، أَوْ وَيْحَكُمْ، انْظُرُوا، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".

ولو سمع ابن عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقولها لسجلها في روايته لحجة الوداع؛ لأنها مما يهمه ويتطلع إليه.

 وكذلك قوله: "هذا الحج الأكبر"، لو سمعه ابن عمر لذكره في روايته لهذا الحديث.

 وهذا من الأدلة على وهم هشام بن الغاز في هاتين الزيادتين.

الثاني والعشرون- 3- قال الحاكم في "المستدرك" (3/86-87):

"4501- حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، ثنا عبدان الأهوازي، ثنا هارون بن إسحاق الهمداني، ثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام بن الغاز وابن عجلان ومحمد ابن إسحاق، عن مكحول، عن غضيف بن الحارث، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال : مر فتى على عمر، فقال عمر: نعم الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفر لي، فقال: يا أبا ذر أستغفر لك وأنت صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: استغفر لي، قال: لا أو تخبرني، فقال: إنك مررت على عمر -رضي الله عنه- فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة".

أقول: أما قوله -صلى الله عليه وسلم- : "إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه".

فصحيح؛ لأنه روي من طرق عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعاً.

1- قال الإمام أحمد -رحمه الله- في "مسنده" (2/53): حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا نافع بن أبي نعيم([6]) عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه".

رجال إسناده من رجال الشيخين إلا نافع بن أبي نعيم، وهو المقرئ المشهور.

قال الذهبي في "الميزان" (4/242): " نافع بن أبى نعيم، أبو رويم، أحد القراء السبعة، ومقرئ أهل المدينة، روى عن الأعرج، وعن نافع، وغير واحد. ثبت في القراءة. وقد وثقه ابن معين. وقال ابن المديني: كان عندنا لا بأس به.

وأما أحمد بن حنبل فقال: كان يؤخذ عنه القرآن، وليس بشيء في الحديث.

... وقال النسائي: ليس به بأس".

 ثم نقل الذهبي عن ابن عدي ما خلاصته أن له نسخة عن الأعرج عن أبي هريرة، وله عن الأعرج نفسه نحو مائة حديث.

 وله عن نافع قدر خمسين حديثاً، ثم نقل الذهبي عن ابن عدي قوله:

 "ولم أر في أحاديثه شيئاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس به".

        فهذا الإسناد رجاله ثقات إلا نافع بن أبي نعيم، وقد عرفتَ كلام الأئمة فيه، فهو لا ينـزل عن درجة صدوق، فحديثه حسن، ويرتقي إلى الصحة بالمتابعات.

وأخرجه الإمام أحمد في "المسند" (2/95) بإسناد آخر، قال: حدثنا أبو عامر حدثنا خارجة بن عبد الله الأنصاري عن نافع عن ابن عمر به.

وهو في "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (2/250)، حديث (313).

وأخرجه الترمذي (6/57) حديث (3682) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، قال: حدثنا خارجة بن عبد الله، عن نافع به، وزاد ثناء من ابن عمر على أبيه.

ثم قال الترمذي: " وفي الباب عن الفضل بن العباس وأبي ذر وأبي هريرة –رضي الله عنهم-.

  وقال: وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه".

 وخارجة بن عبد الله قال فيه الذهبي: "ضعّفه أحمد، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال الحافظ ابن حجر : صدوق، له أوهام.

فحديثه يصلح في المتابعات والشواهد، فيرقى ويرتقي بذلك.

وقال الطبراني في "المعجم الأوسط" (3/338) حديث (3330):

"حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة الكباش المصري، قال: نا عبد الله بن صالح، قال: حدثني ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه".

جعفر بن إلياس قال ابن ماكولا: حدث عن أصبغ بن الفرج ونعيم بن حماد، روى عنه أبو الحسن علي بن محمد المصري والطبراني وغيرهما.

وعبد الله بن صالح المصري قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكان فيه غفلة خ د ت ق.

وقال الحافظ الذهبي فيه: " وكان صاحب حديث، فيه لين، قال أبو زرعة: حسن الحديث لم يكن ممن يكذب، وقال الفضل الشعراني: ما رأيته إلا يحدث أو يسبح، وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث له أغاليط وكذبه جزرة".

أقول: حاشاه من الكذب، كيف وقد وثّقه ابن معين.

ونفى عنه أبو زرعة الكذب، وقال : " حسن الحديث لم يكن ممن يكذب".

فالحديث من هذا الوجه فيه ضعف يسير، لكن له متابعات، يرتقي بها إلى درجة الصحة.

ثم أقول: إن هذا الحديث الذي فيه ذكر هشام بن الغاز وابن عجلان قد رواه عدد من الأئمة عن ابن إسحاق فقط، لا ذكر فيه لهشام ابن الغاز، ولا لابن عجلان، فأخشى أن ذكر هذين الرجلين في هذا الإسناد من أوهام أبي خالد الأحمر.

فقد قال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق، يخطئ.

وقال فيه الذهبي: صدوق إمام، ثم ذكر شيوخه، وبعض من روى عنه.

ثم قال: قال ابن معين: ليس بحجة.

وأورد ابن عدي ترجمته في "الكامل" (753)، وصدر ترجمته بقول يحيى بن معين: "أبو خالد الأحمر صدوق، ليس بحجة".

ثم أورد له عدداً من الأحاديث أخطأ فيها، وتفرّد بها.

ثم قال في نهاية ترجمته: " وأبو خالد الأحمر له أحاديث صالحة، ما أعلم له غير ما ذكرت مما فيه كلام ويحتاج فيه إلى بيان، وإنما أتى هذا من سوء حفظه فيغلط ويخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: صدوق وليس بحجة".

أقول: وأعتقد أن إقحام هشام بن الغاز وابن عجلان في إسناد الحديث الذي رواه الحاكم إنما هو من أوهام أبي خالد الأحمر، ومن الأدلة على خطئه وأن هذا الحديث إنما هو حديث ابن إسحاق ما يأتي.

قال الإمام أحمد في "مسنده" (5/ 165، 145، 177):

" حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ رَجُلٍ مِنْ أَيْلَةَ قَالَ مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ نِعْمَ الْغُلَامُ فَاتَّبَعَنِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي ادْعُ اللَّهَ لِي بِخَيْرٍ قَالَ قُلْتُ وَمَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ أَنَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تَدْعُوَ لِي مِنِّي لَكَ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ مَرَرْتُ بِهِ آنِفًا يَقُولُ نِعْمَ الْغُلَامُ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ".

ورواه أبو داود في "سننه" (2962):

قال: "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِى ذَرٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: « إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ »".

وأخرجه ابن ماجه في "سننه" حديث (108):

 قال: " حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق عن مكحول، عن غضيف بن الحارث، عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به ) .

وساق هذا الحديث ابن أبي عاصم في "السنة" (2/581) بإسناده إلى أبي هريرة وإلى بلال ثم إلى أبي ذر –رضي الله عنهم- حيث قال:

1249- ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مَكْحُولٍ , عَنْ غُضَيْفِ([7]) بْنِ الْحَارِثِ رَجُلٍ مِنْ أَيْلَةَ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ , قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : إنَّ اللَّهَ -عز وجل- وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ.

وأورده الإمام البغوي في "شرح السنة" (14/85) حديث (3876).

قال: " وحدثنا أبو المظفر التميمي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان ، نا خيثمة بن سليمان ، نا أبو عمرو ، نا يعلى بن عبيد ، نا محمد بن إسحاق ، عن مكحول عن غضيف بن الحارث ، قال : مررت بعمر بن الخطاب ، ومعه نفر من أصحابه ، فأخذ كمي رجل منهم ، فقال : يا فتى ادع لي بخير ، بارك الله فيك ، قال : قلت : ومن أنت يرحمك الله ؟ قال : أنا أبو ذر الغفاري قال : قلت : يغفر الله لك أنت أحق ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لك : نعم الغلام ، وسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به ".

وعلى هذا فلا يعد هذا الحديث من مرويات هشام بن الغاز، ولا من مرويات ابن عجلان، فالظاهر أن إدراجهما في الإسناد من أوهام أبي خالد الأحمر.

        الثالث والعشرون- 4- قال الحاكم في "المستدرك" (4/240):

"7603- أخبرني الحسن بن حكيم المروزي أنبأ أبو الموجه أنبأ عبدان أنبأ عبد الله أنبأ هشام بن الغاز عن حيان أبي النضر أنه حدثه قال: سمعت واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قال الله تبارك وتعالى: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".

أقول: هذا الحديث رواه الدارمي في "مسنده" برقم (2734)، وابن حبان في "صحيحه" برقم (633، 634، 635)، كلاهما من طرق مدارها على هشام بن الغاز عن حيان أبي النضر به.

وهذا الحديث لم ينفرد به هشام بن الغاز عن حيان أبي النضر به، فقد تابعه يزيد بن عبيدة، وهو صدوق، عن حيان أبي النضر عن واثلة مرفوعاً، بلفظ: " أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فخيراً، وإن ظن شراً فشراً".

 رواه الطبراني في "المعجم الكبير" برقم(209).

ورواه في "الأوسط" برقم ( 401).

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" -أيضاً- برقم (211) عن هاشم بن مرثد الطبراني، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، عن الوليد بن سليمان بن أبي السائب، قال: سمعت حيان أبا النضر يحدث عن واثلة بن الأسقع قال سمعت واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : قال الله -عز وجل-: أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء".

وفي هذا الإسناد هاشم بن مرثد، قال الخليلي: ثقة، لكنه صاحب غرائب.

وفيه الوليد بن مسلم، وهو يدلس تدليس التسوية.

ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" برقم (215)، وفي "الأوسط" برقم ( 7951)، وفي هذين الإسنادين عمرو بن واقد، وهو متروك.

وهذا الحديث مداره من الطرق كلها على حيان أبي النضر، ولم أجد له ترجمة إلا في "الجرح والتعديل" (3/244-245)، قال فيه أبو حاتم: صالح .

ثم قال ابن أبي حاتم: " أنا يعقوب بن إسحاق الهروي فيما كتب إلي نا عثمان بن سعيد الدارمي، قال: سألت يحيى بن معين، قلت: حيان أبو النضر ما حاله ؟ قال: ثقة".

أقول: راجعت تأريخ عثمان بن سعيد الدارمي، حرف الياء من (ص 197-204)، فلم أجد فيه من يسمى بِيعقوب بن إسحاق الهروي، فأخشى أن هذا الهروي لم يكن له إلمام بالحديث ورجاله، أو يكون قد وهم فيما نقله عن ابن معين من توثيق حيان أبي النضر، ثم رجعتُ إلى "الجرح والتعديل" (9/203- 204) لعلي أجد ترجمة ليعقوب ابن إسحاق الهروي، فلم أجده بين من يسمى بِيعقوب، وبناء على هذا فأنا في شك من ثبوت هذا الحديث، لا سيما وهناك في هذا المعنى ما يخالفه، وهو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه -.

فقد روى البخاري في "صحيحه" حديث (7405) ومسلم في "صحيحه" حديث (2675) بإسنادهما إلى أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً".

وروى هذا الحديث الجليل الإمام أحمد في "مسنده" (2/413)، والترمذي في "سننه" حديث (3603)، والنسائي في "السنن الكبرى" حديث (7683)، وابن ماجه في "سننه" حديث (3822)، وابن حبان في "صحيحه" حديث (811).

فكم هو الفرق بين هذين الحديثين عند أولي النهى.

ومن الإنصاف فإني لا أُحمل هشام بن الغاز تَبِعة هذا الحديث؛ لما له من المتابعات، ولكني أخاف من عدم ضبط حيان أبي النضر، لا سيما وأمره فيه غموض، وإذا قال أبو حاتم في رجل: إنه صالح، فإنه عنده ممن لا يحتج به، بل هذا عنده وعند غيره من المحدثين.

أقول: بعد هذه الأحاديث الأربعة التي نقلها العنابي من "المستدرك" للحاكم، أورد عقبها ثلاثة أحاديث من "تلخيص المستدرك" للذهبي، وهذه الأحاديث تعتبر تكراراً لثلاثة أحاديث مما نقله عن الحاكم، يفعل ذلك لا أدري عن غفلة أو رغبة في تكثير أحاديث هشام بن الغاز.

   

 كتبه

 

ربيع بن هادي عمير المدخلي

1434-8-11هــ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - وأنا على هذا المنهج بتوفيق الله، اقتداء بهؤلاء الأئمة، ولا أستبعد من الإمام ابن معين أنه يسير على هذا المنهج إلا في نادر من الأحيان.

[2] - والظاهر أنه قال: "أتى بآبدة" ، أي جاء بأمر عظيم، ينفر منه ويستوحش، انظر "مجمع البحار" (1/29).

[3] - لقد تحاشى دحيم كلمة "ثقة" التي أطلقها على محمد بن مهاجر، فتأمل.

[4] - في "التنكيل" : "الرواية".

[5] - كذا، والظاهر أنه يريد عبد الرحمن بن يوسف.

[6] - قال فيه أبو حاتم في "الجرح والتعديل": "صدوق"، وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": "صدوق".

[7] - في الأصل: "غطيف"، والصواب ما أثبتناه.

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير