الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » إبطال طعون الركابي الظالمة في الشروط العمرية العادلة "الحلقة الأولى"

إبطال طعون الركابي الظالمة في الشروط العمرية العادلة "الحلقة الأولى"


عدد الزيارات عدد الزيارات : 3596     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 1541

إبطال طعون الركابي الظالمة في الشروط العمرية العادلة


"الحلقة الأولى"

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

أما بعد:

        فقد وقفتُ على مقال غريب عنوانه: " هذا «العهد» المخيف المنسوب إلى عمر «ليس صحيحا»"، للكاتب زين العابدين الركابي.

        نشرته جريدة الشرق الأوسط في العدد رقم (12520) الموافق ليوم السبت، الثامن والعشرين من ربيع الآخر عام (1434هـ).

أولاً- صدّر الركابي مقاله، بقوله:

" في تراثنا العربي الإسلامي طامات مفزعات(1) يتوجب تجريد دين الله الحق منها، سواء أكانت في التفسير أو في الحديث أو في الفقه أو في التاريخ نفسه. فهي طامات تُستغل في تخويف الناس من الإسلام، إلى جانب أنها خاطئة في ذاتها: مضمونا أو رواية.. وإذ انتظم المقالان السابقان «ظاهرة التخويف من الإسلام» التي باشرها مسلمون معاصرون فخوفوا الناس من الإسلام بأقوال مرعبة، وأفعال إرهابية، فإن هذا المقال الماثل (ولعل ما يليه من مقالات) ينصب على ما في تراثنا العربي الإسلامي من مخوّفات للناس من الإسلام، استغلت في التخويف من الإسلام في العصر الحديث".

 

أقول: إن جناية الإرهابيين على الإسلام وأهله قد أدانها العلماء والخاص والعام من المسلمين، إلا من خذله الله من أهل الضلال والهوى.

 وليس عمل الإرهابيين ولا غيره هو الدافع لليهود والنصارى إلى حرب الإسلام والقرآن ورسول الله والإسلام ، وإنما الدوافع إلى ذلك هو الاستكبار والعناد، فمن أول عهد الإسلام وفي حياة الرسول الكريم وأصحابه الكرام حارب اليهود والنصارى الإسلام والقرآن، وكذبوا من أرسله الله بهما.

 وشنَّ النصارى الحروب الصليبية على الإسلام والمسلمين وبلدانهم، وكم سفكوا فيها من الدماء.

ولم يكتفوا بذلك الظلم والطغيان، بل حملهم الاستكبار والبغي على الزحف على أغلب بلدان المسلمين واحتلالها واستعباد أهلها وامتصاص ثرواتهم، وإفساد كثير من أجيالهم.

فهم كما قال الله فيهم: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) فمهما تأثر كثير من المسلمين بضلالاتهم، وأخذَ بالكثير من  مبادئهم فلن يكفيهم ذلك، ولن يروي غليل حقدهم على الإسلام حتى يتبع المسلمون ملتهم وضلالاتهم وإلحادهم، ولا دخل لشروط عمر -رضي الله عنه- في حروب اليهود والنصارى على الإسلام وعداوتهم للإسلام والمسلمين، وإنما الأسباب هي التي ذكرناها.

 

ثانياً- فمن الغريب أن يقول الركابي:

" لقد اشتهر في تراثنا هذا ما عرف بـ«شروط عمر بن الخطاب في التعامل مع أهل الكتاب».. وقد أصبحت هذه الشروط كـ«مركز ثقل» في تصور العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب.. فما هي هذه الشروط؟.. منها – مثلا - إجبار أهل الكتاب على لبس معين يميزهم عن المسلمين أو يميز المسلمين عنهم.. وجز نواصي أهل الكتاب حتى يُعرفوا.. وتعليق الذميين الأجراس في أعناقهم كلما دخلوا الحمام.. وألا يتعلموا القرآن لا هم ولا أولادهم!!

أيعقل أن يصدر هذا عن رجل مثل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، صفته الأولى الكبرى هي «العقل والعدل والرحمة»؟!".

 

أقول:

أ- نعم، لقد اشتهر في تراث الأمة الإسلامية هذه الشروط العادلة النابعة عن القرآن والسنة ؛ تلك الشروط الجليلة التي اشترطها الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- على أهل الذمة الكافرين للتمييز بينهم وبين المسلمين، ودان بها المسلمون فلم يعترض عليها أحد من المسلمين وسلم بها علماؤهم.

والتزمها أهل الذمة، بل كتبوها بأنفسهم، ولا عبرة بمن اعترض عليها من المتأخرين المتأثرين بنظريات وأفكار اليهود والنصارى في القرون الأخيرة.

ومن تلك النظريات أخوة الأديان ومساواة أهل الأديان وحرية الأديان.

ب- قوله: "منها (أي شروط عمر –رضي الله عنه-) – مثلا - إجبار أهل الكتاب على لبس معين يميزهم عن المسلمين أو يميز المسلمين عنهم".

أقول: إن في القرآن الكريم لآيات عظيمة تأمر المسلمين بالتميز عن المشركين، وتنهاهم عن التشبه بهم في العقائد والعبادات والأقوال والأخلاق.

1- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [سورة البقرة: (104)].

ففي هذا النص نهى الله المؤمنين أن يقولوا مثل قول اليهود في مخاطبة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وغيره.

قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية في (2/5-6) من "تفسيره":

"نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقص -عليهم لعائن الله-فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. يورُّون بالرعونة، كما قال تعالى: ( مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ) [سورة النساء : 46] وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم. والسام: هو الموت. ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم". وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.

والغرض: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً. فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ).

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان ابن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصَّغارُ على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"([1]).

وروى أبو داود، عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به: "من تشبه بقوم فهو منهم".

ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولم نُقَرر عليها"ا.هـ.

أقول: كيف تستنكر التمييز بين المؤمنين والكافرين؛ الأمر الذي وردتْ فيه نصوص جليلة من الكتاب والسنة؟

2- وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [سورة الروم (30- 33)].

أطال الحافظ ابن كثير النفس في تفسير هذه الآيات الكريمات.

ومنه قوله في (11/29-30 ) من تفسيره:

"وقوله تعالى: { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي: التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } أي: ولهذا لا يعرفه أكثر الناس، فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف: 103]، { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } الآية [الأنعام: 116].

وقوله: { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } قال ابن زيد، وابن جُرَيْج: أي راجعين إليه، { وَاتَّقُوهُ } أي: خافوه وراقبوه، { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } وهي الطاعة العظيمة، { وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه.

قال ابن جرير: [حدثنا ابن حُمَيد]، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مر عمر، رضي الله عنه، بمعاذ بن جبل فقال: ما قوام هذه الأمة ؟ قال معاذ: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة الله التي فَطرَ الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة. فقال عمر: صدقت.

حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، حدثنا أيوب، عن أبي قِلابة: أن عمر، رضي الله عنه، قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ فذكر نحوه .

وقوله: { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقرأ بعضهم: (فارقوا دينهم) أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [الأنعام: 159]، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء.

وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل -عليه السلام- عن الفرقة الناجية منهم، فقال: (ما أنا عليه وأصحابي)".

3- وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [سورة الحديد: 16].

أ- قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية في (13/421):

"يقول تعالى: أما آن للمؤمنين (أن تخشع قلوبهم لذكر الله)، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه".

ب- وقال أيضاً في (13/422-423) من تفسيره:

"وقوله: ( وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ) نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمّلوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد.

(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة. كما قال: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) [سورة المائدة:13] ، أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه؛ ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية".

أقول: فيجب على المسلمين أن يفقهوا ما تضمّنته هذه الآيات الكريمات، ويعضّوا عليها بالنواجذ، فلا يكونوا من المشركين الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً، وأن لا يشابهوا أهل الكتاب في قساوة قلوبهم وفسقهم.

ومن السنة قوله-صلى الله عليه وسلم- : " مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"([2]).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ".

        قالت عائشة وابن عباس -رضي الله عنهما-: "يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا".

وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: " إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (427) ، ومسلم في "صحيحه" حديث (528).

وهذا الذم الصادر من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للنصارى يتضمن تحذير المسلمين من التشبه بهم في هذه الأعمال التي تُصيِّر أهلها من شرار الخلق عند الله يوم القيامة.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ؟" أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (3456)، ومسلم في "صحيحه" حديث (2669).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً" أخرجه أبو داود في "سننه" حديث (4596)، والترمذي في "سننه"، حديث (2640)، وابن ماجه في "سننه" حديث (3991)، وابن حبان في "صحيحه" حديث (6247) ولفظه: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، بدون " أو".

وهذا إخبار من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما سيقع فيه كثير من هذه الأمة من التشبه باليهود والنصارى واتباعهم، وفيه تحذير شديد من الوقوع في هذه الضلالات.

وأقول: مع الأسف يعتبر هذا الرجل هذا التميز عن أهل الكتاب ومخالفة المسلمين لهم من المنكرات.

وهذا التميّز أمر أجمع عليه المسلمون.

قال شيخ الإسلام في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" (ص121-129):

 

"فصل وأما الإجماع([3]) فمن وجوه:

 من ذلك أن أمير المؤمنين عمر في الصحابة -رضي الله عنهم-، ثم عامة الأئمة بعده وسائر الفقهاء: جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم فيما شرطوه على أنفسهم "أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم: قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فَرْق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نَكْتَنِي بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجُزَّ مقادم رءوسنا، وأن نلزم زِيَّنا حيثما كان([4])، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليباً ولا كتباً من كتب ديننا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين" رواه حرب بإسناد جيد.

 وفي رواية أخرى رواها الخلال: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضرباً خفيفاً في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليباً، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليباً ولا كتاباً في سوق المسلمين، ولا نخرج باعوثاً - والباعوث أنهم يخرجون مجتمعين كما نخرج يوم الأضحى والفطر- ولا شعانينا. ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاوزهم([5]) بالجنائز. ولا نبيع الخمور -إلى أن قال-: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نَكْتَنِي بكناهم، وأن نجز مقادم رءوسنا، ولا نفرق نواصينا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا".

 وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها وهي أصناف.

 الصنف الأول: ما مقصوده التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام ونحوها، ليتميز المسلم من الكافر، ولا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر. ولم يرض عمر -رضي الله عنه- والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدى، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع.

 وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التميز عن الكفار ظاهراً، وترك التشبه بهم ولقد كان أمراء الهدى، مثل العمرين([6]) وغيرهما يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود.

 ومقصودهم من هذا التميز كما روى الحافظ أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده في شروط أهل الذمة عن خالد بن عرفطة قال: "كتب عمر -رضي الله عنه- إلى الأمصار: أن لا يجزوا([7]) نواصيهم -يعني النصارى- ولا يلبسوا لبس المسلمين، حتى يعرفوا".

 وقال القاضي أبو يعلى في مسألة حدثت في وقته: "أهل الذمة مأمورون بلبس الغيار، فإن امتنعوا لم يجز لأحد من المسلمين صبغ ثوب من ثيابهم؛ لأنه لم يتعين عليهم صبغ ثوب بعينه".

 قلت: وهذا فيه خلاف. هل يلزمون بالتغيير، أو الواجب علينا إذا امتنعوا أن نغير نحن؟ وأما وجوب أصل المغايرة: فما علمت فيه خلافاً.

وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر كتب "أن لا تكاتبوا أهل الذمة، فيجري بينكم وبينهم المودة، ولا تكنوهم، وأذلوهم ولا تظلموهم، ومروا نساء أهل الذمة أن لا يعقدن زناراتهن، ويرخين نواصيهن ويرفعن عن سوقهن، حتى نعرف زيهن من المسلمات. فإن رغبن عن ذلك فليدخلن إلى الإسلام طوعاً أو كرهاً".

 وروى أيضاً أبو الشيخ بإسناده عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبان قال: "دخل ناس من بني تغلب على عمر بن عبد العزيز، وعليهم العمائم كهيئة العرب، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ألحقنا بالعرب، قال: فمن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب، قال: أو لستم من أواسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى، قال عليَّ بجلم فأخذ من نواصيهم، وألقى العمائم، وشق رداء كل واحد شبرا يحترم([8]) به، وقال: لا تركبوا السروج، واركبوا على الأكف، ودَلُّوا أرجلكم من شق واحد".

 وعن مجاهد بن الأسود قال: كتب عمر بن عبد العزيز "أن لا يضرب الناقوس خارجا من الكنيسة".

 وعن معمر: أن عمر بن عبد العزيز كتب "أن امنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب. وتقدم في ذلك أشد التقدم، واكتب فيه حتى لا يخفى على أحد نهى عنه. وقد ذكر لي أن كثيراً ممن قِبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم، وتركوا لبس المناطق على أوساطهم، واتخذوا الوفر والجمم، وتركوا التقصيص. ولعمري إن كان يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك ضعف وعجز. فانظر كل شيء كنتُ نهيتُ عنه وتقدمتُ فيه إلا تعاهدته وأحكمته، ولا ترخص فيه ولا تعد عنه شيئاً".

ولم أكتب سائر ما كانوا يأمرون به في أهل الكتاب، إذ الغرض هنا التمييز، وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هرون المتوكل بأهل الذمة في خلافته، واستشارته في ذلك الإمام أحمد بن حنبل وغيره وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة.

 1- ومن جملة الشروط ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك.

 2- ومنها ما يعود بإخفاء شعار دينهم، كأصواتهم بكتابهم.

 فاتفق عمر -رضي الله عنه- والمسلمون معه وسائر العلماء بعده، ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور: على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئاً مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها هم؟

 3- ومنها ما يعود بترك إكرامهم وإلزامهم الصَّغار الذي شرعه الله تعالى.

 ومن المعلوم أن تعظيم أعيادهم ونحوها بالموافقة فيها هو نوع من إكرامهم، فإنهم يفرحون بذلك ويسرون به، كما يغتمون بإهمال أمر دينهم الباطل.

 الوجه الثاني من دلائل الإجماع: أن هذه القاعدة قد أمر بها غير واحد من الصحابة والتابعين في أوقات متفرقة وقضايا متعددة وانتشرت، ولم ينكرها منكر.

 فعن قيس بن أبي حازم قال: "دخل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على امرأة من أحمس يقال لها: زينب ، فرآها لا تتكلم ، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا حجّت مصمتة، فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية. فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش؟ قالت: من أي قريش؟ قال: إنكِ لسؤول، وقال: أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية، قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس"، رواه البخاري في صحيحه ([9]).

 فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل. وعقب ذلك بقوله: "هذا من عمل الجاهلية"، قاصدا بذلك عيب هذا العمل وذمه.

 وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة. فدل على أن كونه من عمل الجاهلية وصف يوجب النهي عنه والمنع منه.

 ومعنى قوله: "من عمل الجاهلية" أي إنه مما انفرد به أهل الجاهلية، ولم يشرع في الإسلام. فيدخل في هذا كل ما اتخذ من عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم يُنَوِّه عنه بعينه ،كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) و"المكاء" الصفير ونحوه، و"التصدية" التصفيق، فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام.

 وكذلك بروز المحرم وغيره للشمس. حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب العادية، أو ترك كل ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهيٌ خاصٌ في عامة هذه الأمور بخلاف السعي بين الصفا والمروة وغيره من شعائر الحج، فإنَّ ذلك من شعائر الله وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة.

 وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر -رضي الله عنه- "أنه كَتَبَ إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزِيَّ أهل الشرك"([10]).

 وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زيِّ المشركين.

 وقال الإمام أحمد في المسند: حدثنا يزيد حدثنا عاصم عن أبي عثمان النهدي عن عمر أنه قال: "اتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، والبسوا الخفاف، والسراويلات، والقوا الركبَ وانزوا نزواً، وعليكم بالمعَدِّية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزِيَّ العجم، وإياكم والحرير فإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عنه، وقال: لا تلبسوا من الحرير إلا ما كان هكذا -وأشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإصبعيه"([11]).

 وقال أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا زهير حدثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: "جاءنا كتابُ عمر -رضي الله عنه- ونحن بأذربيجان- يا عتبة بن فرقد: إياكم والتنعم، وزِيَّ أهل الشرك، ولَبوس الحرير، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهانا عن لبوس الحرير، وقال: إلا هكذا. ورفع لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إصبعيه"([12]).

 وهذا ثابت على شرط الصحيحين.

 وفيه أن عمر -رضي الله عنه- أمر بالمعدِّية وهي زي بني مَعَدِّ بن عدنان وهم العرب. فالمعدية: نسبة إلى معد. ونهى عن زي العجم، وزي المشركين. وهذا عام. كما لا يخفى. وقد تقدم هذا مرفوعاً. والله أعلم.

 وروى الإمام أحمد في المسند: حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب "أن عمر كان بالجابية -فذكر فتح بيت المقدس- قال حماد بن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة. فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية. لا. ولكن أصلي حيث صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء، فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس".

 قلت: فصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجد بيت المقدس في ليلة الإسراء: قد رواها مسلم في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل. يضع حافره عند منتهى طَرْفه، قال: فركبته، حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل -عليه السلام- بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل -عليه السلام-: اخترت الفطرة، قال: ثم عرج بنا إلى السماء وذكر الحديث".

 وقد كان حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- ينكر أن يكون صلى فيه؛ لأنه لم يبلغه ذلك، واعتقد أنه لو صلى فيه لوجب على الأمة الصلاة فيه.

 فعمر -رضي الله عنه- عاب على كعب الأحبار مضاهاة اليهودية، أي مشابهتها في مجرد استقبال الصخرة، لما فيه من مشابهة من يعتقدها قبلة باقية، وإن كان المسلم لا يقصد أن يصلي إليها.

 وقد كان لعمر -رضي الله عنه- في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية، فإنه -رضي الله عنه- هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غرْباً فلم يَفْرِ عبقريٌّ فريه حتى صدر الناس بعطَن فأعز الله به الإسلام وأذل الكفر وأهله، وأقام شعائر الدين الحنيف، ومنع من كل أمر فيه نزوع إلى نقض عُرى الإسلام، مطيعاً في ذلك لله ورسوله، وقّافاً عند كتاب الله، ممتثلاً لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محتذيا حذو صاحبيه، مشاوراً في أموره للسابقين الأولين، مثل: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم-، وغيرهم ممن له علم أو فقه، أو رأي، أو نصيحة للإسلام وأهله، حتى إن العمدة في الشروط على أهل الكتاب على شروطه، وحتى منع من استعمال كافر أو ائتمانه على الأمة، وإعزازه بعد أن أذله الله، وحتى روى عنه أنه حرق الكتب العجمية وغيرها، وهو الذي منع أهل البدع من أن يَنْبغُوا وألبسهم ثوب الصغار، حيث فعل بصبيغ بن عسل التميمي ما فعل في قصته المشهورة، وستأتي عند ذكرها إن شاء الله تعالى في خصوص أعياد الكفار: من النهي عن الدخول عليهم فيها, ومن النهي عن تعلم رطانة الأعاجم، ما يتبين به ثبوت قوة شكيمته في النهي عن مشابهة الكفار والأعاجم، ثم ما كان عمر قد قرره من  السنن والأحكام والحدود، فعثمان -رضي الله عنه- أقرَّ ما فعله عمر، وجرى على سنته في ذلك، فقد علم موافقة عثمان لعمر في هذا الباب.

 وروى سعيد في سننه حدثنا هشيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه قال: "خرج علي -رضي الله عنه- فرأى قوماً قد سدلوا. فقال: ما لهم، كأنهم اليهود خرجوا من فهورهم"، ورواه ابن المبارك وحفص بن غياث عن خالد.

 وفيه "أنه رأى قوماً قد سدلوا في الصلاة، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فُهرهم"، وقد روينا عن ابن عمر وأبي هريرة "أنهما كانا يكرهان السدل في الصلاة"([13]).

ثالثاً- قال الركابي: " أيعقل أن يصدر هذا عن رجل مثل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، صفته الأولى الكبرى هي «العقل والعدل والرحمة»؟!

ليس بعاقل من يعقل هذا أو يصدقه!!

لماذا؟!

أولا: لأن تلك الشروط الغريبة المخيفة المريبة تتناقض مع شرائع الإسلام في معاملة أهل الكتاب.. ومن هذه الشرائع والتعاليم:

1) أنهم أتباع أنبياء أُمرنا بالإيمان بهم.. ومن هذا الإيمان إكرامهم لأجل أنبيائهم، ولذلك وصفوا في الإسلام بأنهم «أهل كتاب»".

أقول:

1- ارجع إلى كلام شيخ الإسلام وما نقله عن السلف وعن عمر –رضي الله عنه- لترى الفروق الكبيرة بين نظرة السلف إلى أعداء الله وبين نظرة الركابي الداعي إلى إكرامهم، وأن إكرامهم من الإيمان، ويرى أنهم أتباع أنبياء، وهذه النظرة إليهم المتضمِّنة لإكرامهم هي المصادمة للإسلام وشرائعه.

2- حاشا أن تكون شروط الخليفة الراشد التي أجمع على قبولها واحترامها والاعتزاز بها المسلمون وعلماؤهم، وحتى أهل الذمة ما كانوا ينظرون إليها بهذا المنظار الغريب المخيف الذي أرعب هذا الكاتب.

بل لقد كانت هذه الشروط العمرية وجهاد الصحابة وأخلاقهم من أعظم الأسباب والدوافع لدخول أهل الذمة وغيرهم في الإسلام.

 ودعواه أن هذه الشروط تتناقض مع شرائع الإسلام في معاملة أهل الكتاب.

أقول: حاشا الشروط العمرية العادلة أن تتناقض مع شرائع الإسلام.

 تلك الشروط التي تلقتها الأمة وعلماؤها بالقبول والتسليم؛ لأنها نابعة من صميم شرائع الإسلام.

رابعاً- ثم قال مبيِّناً لما يزعمه من مصادمة هذه الشروط العادلة لشرائع الإسلام:

"1) أنهم أتباع أنبياء أُمرنا بالإيمان بهم.. ومن هذا الإيمان إكرامهم لأجل أنبيائهم، ولذلك وصفوا في الإسلام بأنهم «أهل كتاب»".

أقول: لقد أبعد هذا الكاتب النجعة، ولا أدري أهذا الإبعاد ناشئ عن الجهل بشرائع الإسلام ونصوصه؟ أم هو ناشئ عن كتمان هذه النصوص بعد العلم بها؟

 فإن النصوص لكثيرة جداً في تكفيرهم وذمهم أشد أنواع الذم، ووعيدهم بالخلود في النار، وأمر المسلمين بمخالفتهم والتميز عنهم، مما دفع الكثير والكثير منهم إلى الدخول في الإسلام، فكانوا من خيار المسلمين.

ومن هذه النصوص:

1- قول الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) [سورة البينة: 6].

ففي هذه الآية يتوعّد الله أهل الكتاب والمشركين بالعذاب بنار جهنم والخلود فيها.

وفيها وصفهم بأنهم شر البرية، وهذا أمر يدركه ويؤمن به صغار طلبة العلم.

2- وقوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [سورة الأنفال:22-23].

ففي هذه الآية ذمهم ووصفهم بأنهم شر الدواب، بهذا العموم، وأنهم صم بكم لا يعقلون.

3- وقال تعالى: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ([14])) [سورة التوبة: 29-33].

ففي هذه الآيات حث من الله لعباده المؤمنين على قتال أهل الكتاب:

أ – لأنهم لا يؤمنون بالله.

ب- ولا باليوم الآخر.

جـ - ولا يُحرِّمون ما حرم الله ورسوله.

د – ولا يدينون دين الحق.

هـ - ولا يكف عنهم القتال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أي أذلاء.

ح ـ ثم بيّنَ كفرهم فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ).

ثم لعنهم أشد اللعن فقال: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).

ي - ثم بيّن كفرهم وشركهم مرة أخرى مؤكداً ما سلف، فقال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ).

ك- ثم بيّن مخالفتهم لما أمروا به على ألسنة أنبيائهم من إفراد الله بالتوحيد والعبادة، منـزهاً نفسه تعالى عن شركهم ، فقال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).

ل- ثم بيّن الله خبث نواياهم وسوء مقاصدهم ضد محمد –صلى الله عليه وسلم- ورسالته، فقال: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).

ن- ثم بيّن الله أنه يأبى ما يحاولون ويمكرون وما يبيتونه للإسلام، فيرد كيدهم في نحورهم، ويخيب آمالهم الخبيثة.

فقال: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).

والمراد بالمشركين هنا اليهود والنصارى.

وقد أطال ابن كثير النفس في تفسير هذه الآيات ومن ذلك:

ما قاله –رحمه الله-: " وقوله: { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } أي: إن لم يسلموا، { عَنْ يَدٍ} أي: عن قهر لهم وغلبة، { وَهُمْ صَاغِرُونَ } أي: ذليلون حقيرون مهانون. فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صَغَرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه"([15]).

ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ، من رواية عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، حين صالح نصارى من أهل الشام:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، ولا قِلاية ولا صَوْمَعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها، ولا نحيي منها ما كان خططاً للمسلمين، وألا نمنع كنائسنا أن ينـزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ينـزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركاً، ولا ندعو إليه أحدًا؛ ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام([16]) إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم، في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكُنَاهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئاً من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زِينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر الصليب على كنائسنا، وألا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفياً، وألا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج شعانين ولا باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم".

قال: فلما أتيت عمر بالكتاب، زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم وَوَظَفْنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق" اهـ، "تفسير ابن كثير" (7/176-177).

فهذا كلام من فقه الإسلام وعرف شرائعه ومقاصده.

وقال تعالى في بيان ضخامة وجسامة ما يفتريه اليهود والنصارى والمشركون على الله من اتخاذ الولد:

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)، [سورة مريم: (88-95)].

فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا: المسيح هو الله، فهؤلاء الذين قالوا قولاً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً، كيف يصح القول بأنهم أتباع الأنبياء، ومن الإيمان إكرامهم لأجل أنبيائهم؟

ألا يعد هذا القول مصادماً لنصوص الكتاب والسنة؟

وقال تعالى في ذم اليهود والمنافقين وبيان كذبهم وتحريفهم ومكرهم، ووعيدهم بالخزي في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة المائدة:41].

وقال تعالى في اليهود:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [سورة المائدة: 59-64].

كيف يكون مِنْ أتباع الأنبياء مَنْ هذه صفاتهم، ومنها:

1- أنهم يسارعون في الكفر، وأن إيمانهم إنما هو بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم.

2- ومنها أنهم سمّاعون للكذب.

3- وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وهذا التحريف يبدأ بتحريف كلام الله.

4- وأن الله لم يرد أن يطهر قلوبهم من الكفر ومن سائر مخازيهم.

5- ولهم في الدنيا خزي.

6- ولهم في الآخرة عذاب عظيم، أي الخلود الأبدي في النار.

كيف يكرم قوم هذه صفاتهم؟

7- ما ينقمون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والمؤمنين إلا أنهم آمنوا بالله وبما أنزل إليهم، وهو القرآن الكريم، وما أنزل من قبل، وهي الكتب التي أنزلت على الرسل الكرام.

8- ومن أوصافهم أن أكثرهم فاسقون، والمراد فسق الكفر بالله.

9- كيف يكرم من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة وعبد الطاغوت.

10- وأنهم شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل.

11- وحالهم حال المنافقين إذا جاؤوا المؤمنين قالوا آمنا.

12- أن كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان.

13- وأنهم يأكلون السحت.

14- كيف يكرّم من وصفوا الله بالبخل، وأن يده مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا؟

15- فكذّبهم الله، وأكد هذا التكذيب بقوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).

ومن وصف الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- لربه تبارك وتعالى قوله: (يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَقَالَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ وَقَالَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ)، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (7411)، ومسلم في "صحيحه" حديث (993).

16- كيف يطالب بتكريم من يزداد طغياناً وكفراً بنـزول القرآن على رسول الله محمد-صلى الله عليه وسلم-؟

17- كيف يكرّم من ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة؟

18- كيف يكرّم من قال الله فيهم: ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ).

19- وأدانهم الله وأهانهم وأخبر أنهم مشعلو الحروب وموقدو نيرانها.

فهؤلاء المغضوب عليهم والضالون يطالب الركابي بإكرامهم، بل يرى أن من الإيمان إكرامهم؛ لأنهم أتباع الأنبياء عنده.

أليس في هذا من أشد المصادمة للكتاب والسنة وما عليه المؤمنون بالكتاب والسنة؟

وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) [سورة المائدة: 78-81].

وقال تعالى في بغي اليهود على الأنبياء وقتلهم:

(...وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [سورة البقرة: 61].

وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [سورة البقرة: 91].

وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [سورة آل عمران:21].

وقال تعالى : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [سورة آل عمران:112].

وقال تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [سورة آل عمران: 181].

وقال تعالى : (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [سورة المائدة: 70-71].

فهل قتلة الأنبياء وقتلة من يأمرون بالقسط يستحقون الإكرام، وأن يوصفوا بأنهم أتباع الأنبياء؟؟

وهل من الإيمان إكرام من ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة؟

وهل من باؤا بغضب من الله على غضب يستحقون الإكرام؟

وهل يستحق الإكرام من يطعن في الله ويكون إكرامهم من الإيمان؟

هل يقبل هذا القول شرع أو عقل؟؟

وهل يكرم من أهانهم الله وأذلهم ووصفهم حقاً بما فيهم من صفات كثيرة ذميمة؟؟

قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة المائدة:17].

وقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [سورة المائدة: 72].

وقال تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة المائدة:73].

فهذه بعض مخازي النصارى؛ كفر بالله وشرك، بل أكبر من ذلك أن يعتقدوا أن عيسى هو الله، فهل تستنكر الشروط العمرية العادلة في أمثال هؤلاء؟

والله يحذرنا من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [سورة المائدة: 51-52].

فمن يتولى اليهود والنصارى فهو منهم.

وكثير من أدعياء الإسلام يتملقونهم، ويرفعون مبادئهم وشعاراتهم، ويقدمونها على الإسلام.

خامساً- قال الركابي:

"2- أن الإسلام قرر أن الإنسان – من حيث هو - كريم بتكريم الله له: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا».. وليس من الإيمان بهذه الآية ولا بمقتضاها أن يعامل أهل الكتاب - وهم ناس آدميون قطعا - بهذه المعاملة التي وردت في تلك الشروط المريبة المخيفة!!".

أقول: إن هذه الآية: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

إنما تتناول المؤمنين بالله ورسله وكتبه ...الخ، الشاكرين لنعمه، ومنها هذه النعمة.

ولا تتناول أعداء الله ورسله وكتبه، الكافرين به وبرسله وكتبه ..الخ.

قال تعالى في ذم أعدائه: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [سورة البقرة: 171].

وقال فيهم : (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا [سورة الفرقان:44).

وقال تعالى: (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، [سورة الحج: 18].

وقال في اليهود: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [سورة الجمعة:5].

فأين أنت من هذه الإهانات لأعداء الله الكافرين به وبرسله وبنعمه؟؟

وما أشد قولك: " وليس من الإيمان بهذه الآية ولا بمقتضاها أن يعامل أهل الكتاب - وهم ناس آدميون قطعا - بهذه المعاملة التي وردت في تلك الشروط المريبة المخيفة".

فهذا طعن في علماء الأمة وأئمتهم وأتباعهم من السابقين واللاحقين، الذين أجمعوا على قبول هذه الشروط، ورمي لهم بعدم الإيمان بهذه الآية، فيا لها من جرأة، ويا له من تطاول.

وهذا فيه طعن في تلك الشروط العادلة في معاملة أعداء الله ورسله والمؤمنين.

إن كنت تريد مساواة هؤلاء الكافرين بالمؤمنين، فالله يأبى ذلك ورسوله والمؤمنون.

قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [سورة (ص): 27-28].

وقال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)

[سورة الجاثية: 21].

وقال تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ) [سورة القلم: 35-40].

وكثير ممن أضلهم الله ينادون بالمساواة بين الأديان وأهل الأديان.

فابتعد أيها الرجل عن هذا المنهج الخطير المضاد لمنهج القرآن والسنة، وحاربه وأهله بما شرعه رب العالمين في القرآن والسنة.

وأقول: لا يستحق الإكرام منهم إلا من آمن بمحمد – صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى فيمن آمن منهم: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [سورة القصص: 51-55].

 فهؤلاء يجب إكرامهم واحترامهم، لا شك في ذلك.

سادساً- قال الركابي:

" 3- إن من مقاصد الإسلام وضع الإصر والأغلال عن الناس، وتحريرهم مما يثقل عليهم من الضغوطات والتقاليد والقيود الجائرة: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم».. إن دينا هذه رسالته، هذه مهمته (تحرير الناس من كل ما يشق عليهم)، يستحيل أن يجيز ما يضاد ذلك من مثل تلك الشروط القاسية".

أقول:

1- إن هذه الشروط العادلة ليست من الآصار والأغلال المنافية لمقاصد القرآن.

والكفار من اليهود والنصارى والمنافقين وغيرهم يستثقلون الإسلام والقرآن وما فيهما من شرائع.

 وهي أثقل من هذه الشروط بمراحل، بل هم يستهزؤون بالرسول -صلى الله عليه وسلم- وبالقرآن وبالصلاة وبالحدود، وفي ذلك آيات قرآنية تبيِّن هذا.

2- إن استشهاده بهذه الآية لبيان بطلان هذه الشروط ومخالفتها لمقاصد القرآن استشهاد باطل، وتنـزيل لها في غير موضعها، وفي طياتها ونصها ما يبطل ما تدعيه.

إذ الآية نص في الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فيمتثلون أمره فيتبعونه ويطيعونه، فهم مؤمنون، يستحقون هذا المدح والإكرام.

بخلاف من قال الله فيهم: (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [سورة البقرة : 101].

ومن قال الله فيهم: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [سورة البقرة: 91].

ومن قال الله فيهم: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) [سورة البقرة:145].

ومن قال الله فيهم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [سورة البقرة:120].

فهذه الآيات الصادعات بكفر وعناد واستكبار أهل الكتاب وعدوانهم لرسول الله وكتابه وتكذبيهم لهما من أوضح البراهين على بطلان فهمك للآية التي استشهدتَ بها ووضعتها في غير موضعها.

وكثير من أدعياء الإسلام الذين يقلدون أعداء الله تقليداً أعمى يشاركونهم في الدعوة إلى التحرر من هذه التشريعات، بل قامت دول تدّعي الإسلام رضيت بدساتير تحارب الإسلام وتحتل مكانه ومنهم الإخوان المسلمون الذين حاربوا الحكام باسم الحاكمية لله، وكفروهم وربوا أجيالاً على هذا المنهج، على امتداد أكثر من ثمانين عاماً، ولما وصلوا إلى قمة الحكم أداروا ظهورهم جهاراً نهاراً لحاكمية الله، وأعلنوا التمسك بدساتير وقوانين كفرية من وضع مردة اليهود والنصارى يلزمون بها الناس ويحاكمونهم إليها، فجاءوا بأسوأ مما كان عليه من سبقهم من الحكام المنحرفين، وهذا من أشد أنواع الظلم، فيا لها من غربة نزلت بالإسلام في معظم بلدان الإسلام، التي فتحت بالإسلام.

 

قول الركابي معلقاً على الآية السالفة من سورة الأعراف:

        " إن ديناً هذه رسالته، هذه مهمته (تحرير الناس من كل ما يشق عليهم)، يستحيل أن يجيز ما يضاد ذلك من مثل تلك الشروط القاسية".

أقول:

1- هل هؤلاء الذين فُرضت عليهم تلك الشروط قبلوا شريعة الإسلام حتى يحرم على المسلمين فرض تلك الشروط عليهم.

2- إن الإسلام ليتسم بالسماحة في تشريعاته لمن دَانَ به ورضيه ديناً ورضي بالله رباً وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولا.

وقد خلا الإسلام من الآصار التي كانت على من قبلنا.

وعلّمنا الله معشر المسلمين أن نقول: (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) [سورة البقرة:286].

وأن نقول: (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) [سورة البقرة:286].

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: لما نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير )، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير )، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل الله عز وجل: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال: نعم، (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا)، قال: نعم، ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به )، قال: نعم، ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) قال: نعم"، أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (125)، وأحمد في "مسنده" (2/412)، وابن حبان في "الإحسان" حديث (139).

إن الآصار والأغلال قد نفاها الله عن رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- ونزهها عنها.

أما نفي وجود كل ما فيه مشقة نفياً مطلقاً كما يدّعي الركابي فليس بمسلّم.

ففي الجهاد مشقة؛ إذ فيه مخاطرة بالنفس والمال.

 ومن هنا قال الله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة: 216].

ولا يجوز لأحد أن يقول: إن الجهاد من الآصار والأغلال.

وكم من آية أثنى الله فيها على المجاهدين، وكم بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضل الجهاد والمجاهدين، ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (...إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (2790)، وأحمد في "مسنده" (2/335)، وابن حبان في "الإحسان" حديث (4611).

والصيام توجد فيه مشقة على بعض الناس، لكنها مشقة محتملة.

وفي الحج مشقة وهو جهاد، ولكن هذه المشقات يخففها على المؤمنين ما يتفضل الله به عليهم من الصبر المحمود في الدنيا وإدخالهم في عداد الصابرين، ومن الجزاء العظيم والنعيم المقيم في الدار الآخرة.

سابعاً- قال الركابي:

 " 4- «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين».. وبديهي أنه ليس من البر ولا من القسط معاملة أهل الكتاب معاملة جائرة قاسية مهينة".

أقول:

1- نزّه الله الشروط العمرية العادلة من أن تكون معاملة جائرة قاسية مهينة.

2- إن الله قد شرع لنا بُغض أعدائه وأعداء رسله، وكلّفنا بالبراءة منهم، وحذّرنا من موالاتهم.

فقال تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [سورة الممتحنة:4].

وقال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة المجادلة:22].

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [سورة المائدة:51].

فهذا أصل عظيم في الإسلام يتضمّن بغض أعداء الله ورسله وعدم موالاتهم سواء كانوا من اليهود والنصارى أو من الوثنيين، وكل أصناف أعداء الله ورسله.

وقول الركابي: "وبديهي أنه ليس من البر ولا من القسط معاملة أهل الكتاب معاملة جائرة قاسية مهينة".

أقول: إن مَنْ يقرأ القرآن، ويفقه نصوصه وكيف عامل الله اليهود على كفرهم وكنودهم وانحرافاتهم يستنكر أشد الاستنكار وصف الشروط العمرية العادلة بأنها معاملة جائرة قاسية مهينة، اقرأ ما سلف من الآيات وقول الله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)، [سورة النساء: (153-161)].

وقال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ] [سورة الأنعام: 146].

وقال تعالى : (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [سورة الأعراف: 163].

فبهذه الأعمال الكفرية الإجرامية على امتداد التأريخ استحقوا هذه الأحكام الشديدة، وضرب الآصار والأغلال عليهم.

وهي أشد من ضرب الجزية عليهم ومن الشروط العمرية.

وكل هذا من العدل فيمن هذا حالهم.

2- وإذا كان البر والقسط يتناول أهل الذمة، فإن هذا لا يمنع مثل الشروط العمرية التي تدخل في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [سورة التوبة:29].

كما فهم ذلك الصحابة وعلماء الإسلام من فقهاء ومحدثين.

3- إذا دخل أهل الكتاب في ذمتنا والتزموا بأداء الجزية وما يشترطه عليهم المسلمون من الشروط التي يتناولها الصغار فلا مانع من برهم والعدل فيهم، بل العدل واجب مطلقاً مع المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى وغيرهم من الوثنيين.

كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [سورة المائدة:8].

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [سورة النساء:135].

وفرض الجزية التي يجب أن يؤدوها وهم صاغرون أي ذليلون مهانون هو عين العدل، وكذلك الشروط العمرية المأخوذة من هذه الآية والمبيِّنة لكامل معناها ليست من الجور، ولا هي بالقاسية، بل هي من العدل الذي أمر الله به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في " اقتضاء الصراط المستقيم"(ص123):

"وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني في شروط أهل الذمة بإسناده أن عمر كتب أن لا تكاتبوا أهل الذمة فيجري بينكم وبينهم المودة ولا تكنوهم وأذلوهم ولا تظلموهم".

فإذلال من أذلهم الله من العدل، وليس من الظلم في شيء.

4- الأمر بالبر والقسط يتناول عصاة المسلمين من باب أولى، ومع ذلك يجب أن تقام عليهم الحدود، التي فيها إهانة وعقوبة لهم.

قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [سورة المائدة:38].

وقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة النور:2].

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"، أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (1690)، وأحمد في "مسنده" (5/313، 317، 318، 320)، وأبو داود في "سننه" حديث (4415)، والترمذي في "سننه" حديث (1434).

 والذي يقذف محصنة مؤمنة يجلد ثمانين جلدة، ويعد من الفاسقين، ولا تقبل له شهادة أبداً حتى يتوب.

وقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [سورة المائدة:33].

وقال الله فيمن يتعامل بالربا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) [سورة البقرة 278–279] .

وهذه الأحكام على فساق المسلمين أشد من الشروط العمرية.

فهل نطالب بإسقاط هذه الحدود والعقوبات الصارمة عن هؤلاء العصاة بدعوى أنهم مسلمون يجب إكرامهم احتجاجاً بقول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [سورة الإسراء:70].

كما احتج بها الركابي لإكرام أهل الكتاب الذين لا يصفهم إلا بأهل الكتاب، ويتحاشى وصفهم باليهود والنصارى، أو وصفهم بأهل الذمة، تكريماً لهم بناء على دعواه أنهم أتباع الأنبياء، ومن الإيمان بالأنبياء إكرامهم، ومعروف موقفهم من الأنبياء ومن خاتمهم أشرف الأنبياء، ومعروف موقفهم من رسالات الأنبياء عند من يعتصم بالكتاب والسنة وبما كان عليه السلف الصالح من الصحابة الكرام ومن اتبعهم بإحسان.                                   

كتبه

 

ربيع بن هادي عمير المدخلي

1434/5/16هـ

   يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1)  هذه الطامات المفزعات في كتب أهل البدع والضلال، ولا سيما الروافض وغلاة الصوفية والخوارج. فعليك بنقد عقائدهم ومناهجهم وأكاذيبهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تنسبها إلى التراث الإسلامي فتشوهه، وبذلك تُجرِّد دين الله الحق، وابتعد عن التحامل على أهل السنة والحديث.

[1] - "مسند الإمام أحمد" (2/50، 92)، حسّنه، بل صححه الألباني في "إرواء الغليل" (5/109)، وذكر له عدة مصادر.

[2] - تقدّم تخريجه.

[3] - أي الإجماع على التمييز بين المسلمين والمشركين واليهود والنصارى.

[4] - لعله: "كنا".

[5] - لعله: "ولا نجاورهم".

[6] - في الأصل: "العرين".

[7] - الظاهر: "أن يجزوا".

[8] - لعله: "يحتزم".

[9] - حديث رقم (3835).

[10] - الحديث في "صحيح مسلم" برقم (2069)، ومنه: ".... وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لبوس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما".

[11] - أخرجه أحمد في "مسنده" (1/43).

[12] - "مسند الإمام أحمد" حديث رقم (92)، وأخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (2069/12).

[13] - أتمنى أن يقرأ الركابي وأمثاله كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم".

[14] - وقد تم نور الله وإظهار دينه؛ بدخول شعوب من الوثنيين واليهود والنصارى في الإسلام، وذلك بعكس ما يقوله الركابي.

[15] - أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (2167)، وأحمد في "مسنده" حديث (7617)، والترمذي في "سننه" حديث (1602).

[16] - وقد دخل معظم نصارى الشام في الإسلام، ولم تمنعهم الشروط العمرية من الدخول في الإسلام، بل كانت من الدوافع لهم إلى الدخول في الإسلام.

 

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2020 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير