الرئيسية الرئيسية » المقالات» مقالات » متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء وبمخالفة السنة وإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة "الحلقة الثانية"

متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء وبمخالفة السنة وإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة "الحلقة الثانية"


عدد الزيارات عدد الزيارات : 8206     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 2080

 

متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء

وبمخالفة السنة وإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة

 

 

"الحلقة الثانية"

 

التعليق السادس- قال عادل في تعليقه على "الشرح والإبانة" (ص126) مؤكداً ما يرى من الإجماع على كفر تارك الصلاة:

"وفي "تعظيم قدر الصلاة" (990) قال إسحاق بن راهويه –رحمه الله-: قد صحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر".

أقول: إن كلام الإمام إسحاق بن راهويه -رحمه الله- هذا فيه نظر إن أراد بهذا الكلام إجماع أهل العلم من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى وقته على تكفير تارك الصلاة.

1- فهذا الإمام محمد بن نصر المروزي، وهو ممن يقول بكفر تارك الصلاة يقول بعد نقله لأدلة من لا يكفر تارك الصلاة في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" (2/ 956-957):

" قالوا: فهذه الأخبار تدل على أن تارك الصلاة حتى تجاوز وقتها غير كافر.

قالوا: وفى اتفاق عامة أهل العلم على أن التارك للصلاة حتى خرج وقتها متعمدا، يعيدها قضاء، ما يدل على أنه ليس بكافر، لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة في قول عامة العلماء.

وكان ممن ذهب هذا المذهب من علماء أصحاب الحديث الشافعي([1]) -رضي الله عنه- وأصحابه أبو ثور وغيره، وأبو عبيد في موافقيهم.

قال أبو عبدالله:

1035 - وقد حدثني محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب أنه سئل عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: إن كان إنما تركها أنه ابتدع دينا غير دين الإسلام قتل، وإن كان إنما هو فاسق ضرب ضربا مبرحا وسجن".

فالزهري وهو من أئمة التابعين لا يُكفر بترك الصلاة إلا الجاحد لها، ومن لم يجحد وجوبها فهو عنده فاسق، ولا يبعد أن له نظراء من التابعين، وما أعتقد أن تلاميذه يخالفونه.

 

فهذه مجموعة من علماء الحديث الزهري والشافعي وأصحابه أبو ثور وغيره وأبو عبيد في موافقيهم، فهذه المجموعة منهم من سبق إسحاق، مثل الإمام الزهري والإمام مالك وأصحابه ومنهم الإمام الشافعي المتوفى سنة (204) وأصحابه، بينما إسحاق كان قد توفي سنة (238)، ومنهم من عاصره كأبي ثور، فهذه المجموعة وغيرهم لا يُكفِّرون تارك الصلاة.

وقال الإمام محمد بن نصر مرة أخرى في (2/ص936) تابع لرقم (1002):

" قال أبو عبد الله رحمه الله تعالى (يعني نفسه): قد حكينا مقالة هؤلاء الذين أكفروا تارك الصلاة متعمدا وحكينا جملة ما احتجوا به وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث وقد خالفتهم جماعة أخرى عن أصحاب الحديث فأبوا أن يكفروا تارك الصلاة إلا إن يتركها جحودا أو إباء واستكبارا واستنكافا ومعاندة فحينئذ يكفر وقال بعضهم تارك الصلاة كتارك سائر الفرائض من([2]) الزكاة وصيام رمضان والحج وقالوا الأخبار التي جاءت في الإكفار بترك الصلاة نظير الأخبار التي جاءت في الإكفار بسائر الذنوب.

نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

1003 - ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

1004 - وقوله -صلى الله عليه وسلم-: لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فقد كفر.

1005 - وقوله -صلى الله عليه وسلم-: من حلف بغير الله فقد أشرك.

1005 - والطيرة شرك.

1006 - وما قال مسلم لمسلم كافر إلا باء به أحدهما" ، ومما أشبه هذه الأخبار.

قالوا: وقد وافقنا جماعة أصحاب الحديث على من ارتكب بعض هذه الذنوب لا يكون كافرا مرتدا يجب استتابته وقتله على الكفر إن لم يتب وتأولوا لهذه الأخبار تأويلات اختلفوا في تأويلاتها.

قالوا: وكذلك الأخبار التي جاءت في إكفار تارك الصلاة يحتمل من التأويل ما احتمله سائر الأخبار التي ذكرناها.

واحتجوا مع هذا لتركهم الإكفار بترك الصلاة بأخبار استدلوا بها على أن تارك الصلاة حتى يذهب وقتها لا يكفر إذا لم يتركها إباء ولا جحودا ولا استكبارا".

 

فهذان النقلان من الإمام محمد بن نصر يردان ما قاله الإمام إسحاق بن راهويه، ويبطلان مزاعم من يدَّعي أن الإمام إسحاق نقل الإجماع على تكفير تارك الصلاة.

أضف إلى ذلك أن الإمام محمد بن نصر ذكر اختلاف أهل الحديث في الإيمان والإسلام، هل معناهما واحد أو أنهما مختلفان في المعنى، وقسمهم إلى ثلاث طوائف، كل هذه الطوائف ترى أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وأن خروجهم بسبب ما في قلوبهم من إيمان.

 

وقال الإمام محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (2/529-530) متحدثاً عن الطائفة الثالثة من أهل الحديث:

" قال أبو عبدالله: وقالت طائفة ثالثة([3]) وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث([4]) الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله دينا وارتضاه لعباده ودعاهم إليه وهو ضد الكفر الذي سَخِطَهُ، فقال: (ولا يرضى لعباده الكفر)، وقال: (ورضيت لكم الإسلام دينا)، وقال: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)، وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه).

فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية فأخبر أن من أسلم فهو على نور من ربه وهدى وأخبر أنه دينه الذي ارتضاه فقد أحبه وامتدحه ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه فقال إبراهيم خليل الرحمن وإسماعيل ذبيحه: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) وقال يوسف: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين)، وقال: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)".

 

ثم استمر في سوق الأدلة على أن معنى الإيمان والإسلام واحد، إلى أن قال في (2/533-536):

"وقد جامعتنا هذه الطائفة التي فرقت بين الإيمان والإسلام على أن الإيمان قول وعمل وأن الصلاة والزكاة من الإيمان وقد سماهما الله دينا وأخبر أن الدين عند الله الإسلام فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان وسمى الإيمان بما سمى به الاسلام وبمثل ذلك جاءت الاخبار عن النبي صلى الله عليه و سلم.

فمن زعم أن الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بما عمل فقد بين الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم أن الإسلام والإيمان لا يفترقان فمن صدق الله فقد آمن به ومن آمن بالله فقد خضع لله وقد أسلم لله.

ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما نهى الله عنه فقد استكمل الايمان والإسلام المفترض عليه ومن ترك من ذلك شيئا فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام إلا أنه أنقص من غيره في الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأن الله وما قال حق لا باطل وصدق لا كذب ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم للقدر خضوع للهيبة والجلال والطاعة للمصدق به وهو الله عز و جل فمن ذلك يكون النقصان لا من إقراراهم بأن الله حق وما قاله صدق.

قالوا: ومما يدلك على تحقيق قولنا أن من فرق بين الإيمان والإسلام قد جامعنا أن من أتى الكبائر التي استوجب النار بركوبها لن يزول عنه اسم الإسلام.

وشر من الكبائر وأعظمهم ركوبا لها من أدخله الله النار، فهم يروون الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ويثبتونه أن الله يقول أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ومثقال برة ومثقال شعيرة.

فقد أخبر الله تبارك وتعالى أن في قلوبهم إيمانا أخرجوا بها([5]) من النار وهم أشر أهل التوحيد الذين لا يزول في قولنا وفي قول من خالفنا عنهم اسم الإسلام.

ولا جائز أن يكون من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار([6]) ودخول الجنة ليس بمؤمن بالله.

إذ لا جائز أن يفعل الإيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن كما لا جائز أن يفعل الكفر بقلبه من ليس بكافر.

أجوبة أدلة القائلين بتغاير الإيمان والإسلام

وأما ما احتجوا به مما روى في بعض الحديث في الزاني أنه يخرج من الإيمان وينزع منه الإيمان ونحو ذلك فقد روينا عن ابن عباس أنه قال ينزع منه نور الإيمان ونور الإيمان ليس هو كل الإيمان، فإنما أراد بقوله ينزع منه الإيمان بعض الإيمان لا كل الإيمان حتى لا يبقى فيه شيء من الإيمان، فلو كان كذلك لكان كافرا إذ زال عنه اسم الإيمان بأسره فلما قال النبي صلى الله عليه و سلم عن الله عز و جل أخرجوا من النار من كان في قلبه مثال خردلة من إيمان لأن من دخل النار فقد لقي الله بالكبائر وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في قلوبهم أجزاء من الإيمان استحقوا بذلك اسم الإيمان ووجب لهم عليه الثواب لولا ذلك ما دخلوا الجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة من البالغين العاقلين من ليس بمؤمن لأن الله عز و جل قال في كتابه: (وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)، وقال -صلى الله عليه و سلم-: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وفي بعض الحديث "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة" وليس ذلك بمتناقض ولا مختلف لأن معناهما واحد ولما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان فيدخله الجنة علمنا أنه لم يدخله الجنة إلا وهو مسلم مؤمن".

 

أقول:

1- هذا اعتراف من الإمام محمد بن نصر وطوائف أهل الحديث بأن الله يخرج مرتكبي الكبائر من النار، يخرجهم بما في قلوبهم من الإيمان، وأن الطوائف الثلاث لا تختلف في هذا.

ويعترف بجميع طوائف أهل الحديث، وأنهم من أهل السنة.

وهذا التقسيم منه إنما هو بالنسبة للخلاف بينها في هل الإيمان والإسلام شيء واحد، أو أن هناك فرقاً بينهما؟، والصواب في هذه المسألة:

أنهما إذا اجتمعا في سياق واحد افترقا في المعنى، كما في حديث جبريل -عليه السلام-، الذي فرّق فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الإسلام والإيمان.

وإذا افترقا اجتمعا في المعنى، كما في قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام).

فإن الإسلام في هذه الآية يدخل فيه الإيمان.

2- يصرِّح الإمام ابن نصر بأن أهل الحديث والسنة يعتقدون أن الإيمان قول وعمل، وأن الصلاة والزكاة من الإيمان، وهذا اختصار منه لمعتقد أهل السنة والحديث من أن الأعمال الصالحة كلها من الإيمان، كما في الحديث الصحيح: "الإيمان بضع وستون، وفي رواية بضع وسبعون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق .

3- وينكر على من يزعم أن الإسلام هو الإقرار وأن العمل ليس منه، ويدينه بأنه قد خالف الكتاب والسنة، وأنه لا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أن الإيمان إقرار بلا عمل.

4- يصرِّح -رحمه الله- بأن من فرّق بين الإيمان والإسلام([7]) قد وافق الطائفة الثالثة في أن من أتى الكبائر التي تستوجب النار لن يزول عنه اسم الإسلام.

5- استدل –رحمه الله- على أن مرتكب الكبائر لا يزول عنه اسم الإسلام([8]) بما رواه رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن رب العالمين وأرحم الراحمين: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ومثقال برة ومثقال شعيرة".

فهو يعترف بأن طوائف أهل الحديث والسنة يثبتون هذا الحديث ويؤمنون بمضمونه.

ويركز على إيمان القلب باسم طوائف أهل الحديث، وأن الذين أخرجوا من النار وأدخلوا الجنة من هذه الأصناف أنهم إنما استحقوا هذه الرحمة من الله عز وجل بسبب ما في قلوبهم من الإيمان، ولم يذكر شيئاً من أعمال الجوارح لا الصلاة ولا غيرها.

ويؤكد هنا ابن نصر -رحمه الله- باسم إحدى الطوائف.

وينقل عن ابن عباس –رضي الله عنه- أن المراد من قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: " لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ"، بأنه ينـزع منه نور الإيمان، ونور الإيمان ليس هو كل الإيمان؛ لأنه لو نزع منه كل الإيمان لكان كافراً.

أقول:

وهذا قول أهل السنة جميعاً، وخالفهم في هذا ونحوه الخوارج المكفرون بالذنوب والحاكمون على مرتكبيها بالنار والخلود فيها.

6- ويحتج ابن نصر على قوله بأنه لا يزول الإيمان عن مرتكب الكبيرة بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه -عز وجل- أنه يقول: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان"؛ لأن من دخل النار لقي الله بالكبائر، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في قلوبهم أجزاء من الإيمان، استحقوا بذلك اسم الإيمان، ووجب لهم عليه الثواب، لولا ذلك ما دخلوا الجنة([9])...الخ

واحتج على هذا بالآية والحديث المذكورين.

7- وأكد ذلك بقوله: "ولما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان فيدخله الجنة علمنا أنه لم يدخله الجنة إلا وهو مسلم مؤمن".

ومعروف أن محمد بن نصر ممن يكفر تارك الصلاة، ومع ذلك يحكي أدلة وأقوال هذه الطوائف الثلاث، ويصفهم بأنهم أهل السنة والحديث، ولا يرد أقوالهم، ولا يرميهم بالإرجاء؛ لأنه على مذهبهم، ويعلم هو وغيره ممن يكفرون تارك الصلاة أن لإخوانهم الذين لا يُكفِّرون تارك الصلاة أدلتهم وبراهينهم على أن الله يخرج من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان ومن في قلبه ، ومن في قلبه مثقال نصف دينار من إيمان ومن في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، ومن في قلبه مثقال خردلة من إيمان، ومن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ومن لم يعمل خيراً قط.

وهذه الأصناف مذكورة في الأحاديث الواردة في الصحيحين، تأتي الشفاعة فيهم بعد الشفاعة في القائمين بالصلاة والصيام والحج.

ولا يخالف ما في هذه الأحاديث الصحيحة من الحقائق، ويرمي أهلها بالإرجاء إلا الخوارج ووراثهم.

وبعض هؤلاء الوراث يضعفها انطلاقاً من منهجه الفاسد، وبعضهم لا ينكرها علانية، ولكن طعنه فيمن يؤمن بها ويقررها، ورميه إياهم بأنهم مرجئة يدل على أنه لا يؤمن بها، فهذا الطعن من أو ضح الأدلة أنه لا يؤمن بها، ولكنه يتخفى بذلك، فمثله كمثل النعامة التي تدس رأسها في الرمل ومؤخرتها بادية للعيان.

وممن ينكر هذه الأحاديث المرجئة الذين يقولون: إن العمل ليس من الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وأن إيمان الفجار كإيمان محمد وجبريل وميكائيل - عليهم الصلاة والسلام-، فهم لا يؤمنون بأن الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة.

ثم إن أحاديث الشفاعة تدل على أمرين هامين:

أحدهما- بيان عقوبة الله لأهل الكبائر بالنار، لاسيما تاركي الفرائض.

وثانيهما- بيان فضل التوحيد، وأنه السبب في إخراج الجهنميين من النار، فالذي يتنكر لمضمون هذه الأحاديث، ويرمي من يؤمن بها ويقول بدلالاتها بالإرجاء لا يرى للتوحيد هذه المكانة العظيمة عند الله وعند رسوله والمؤمنين.

ويرى القارئ اتفاق طوائف أهل الحديث على الإيمان الصادق بأحاديث الشفاعة التي تنص على أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان ومن لم يعمل خيراً قط.

وهذا يبطل مزاعم من يدّعي الإجماع على كفر تارك الصلاة.

 

احترام أئمة السنة لأهل الحديث

قال أبو نعيم –رحمه الله-: "حدثنا أبو أحمد الغطريفي([10]) ثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ثنا الربيع قال سمعت الشافعي يقول إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث كأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم" "حلية الأولياء" (9/109)، و"سير أعلام النبلاء" (10/59-60).

وقال أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في "معرفة علوم الحديث (ص4):

"سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحنظلي ببغداد يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي يقول : كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فقال له أحمد بن الحسن : يا أبا عبد الله ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث فقال : أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه فقال : زنديق ! زنديق ! زنديق ! ودخل البيت".

يقول الإمام أحمد هذا فيمن يشتم أهل الحديث، وهو يعلم أنهم قد يخالفونه فيحترمهم؛ لأنهم لا يخالفونه ولا يخالفون غيره إلا على أساس حجج وبراهين يستندون إليها.

وقال الحاكم: سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ يقول: سمعت جعفر بن محمد بن سنان الواسطي: يقول سمعت أحمد ابن سنان القطان يقول : ليس في الدنيا متبدع إلا وهو يبغض أهل الحديث وإذا ابتدع الرجل نزع حلاوة الحديث من قلبه".

 

هذا ومن الآخذين بأحاديث الشفاعة وما يؤيدها من السنة الصحيحة الإمام ابن القيم -رحمه الله-.

قال –رحمه الله- في كتابه "حادي الأرواح" (ص272-273):

"الوجه العشرون انه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه، فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فإن لفظ الحديث هكذا فيقول: "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز و جل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط"، فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.

ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه أن رحمه الله، فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه([11]) عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: (يقول الله عز و جل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)([12])".

1- الإمام ابن القيم بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث.

ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد.

والذي نعرفه عن ابن القيم أنه يرى كفر تارك الصلاة.

لكنه لما وقف أمام حديث أبي سعيد في الشفاعة وما تلاه لم يسعه إلا الاستسلام لها والصدع بمضمونها.

وكذلك يقال عن الإمام أحمد، فإن له روايات عديدة في تكفير تارك الصلاة حيناً وعدم تكفيره حيناً آخر، وفي تكفير تارك الأركان تارة، وفي عدم تكفيره تارة أخرى.

والظاهر أن سبب اختلاف رواياته ثم فيأتُهُ إلى عدم التكفير هو استسلامه وإيمانه بأحاديث الشفاعة.

وقل مثل ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قد يرى كفر تارك الصلاة، لكنه إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة استسلم لها وصدع بمضمونها.

قال –رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (1/318):

"وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا : لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ".

والظاهر والله أعلم أن أخذ هؤلاء الأئمة بأحاديث الشفاعة هو الأخير، وهو الأصوب؛ لأن ذلك أخذ منهم بالجمع بين نصوص الوعد والوعيد، وهو المنهج الحق السديد الذي يخالف به أهل السنة الخوارج الذين يأخذون بنصوص الوعيد، ويهملون نصوص الوعد.

ويخالفون به غلاة المرجئة الذين يأخذون بنصوص الوعد ويهملون نصوص الوعيد.

2- وقول الإمام ابن القيم -رحمه الله-: " فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير".

فالظاهر أنه يعتقد أنهم من أهل التوحيد، وأنهم ليس عندهم شيء زائد على التوحيد أي يعتقد بظاهر الحديث أنهم لم يعملوا خيراً قط، والله أعلم.

3- لا ينسى المطلع على أحاديث رسول الله أن أحاديث الشفاعة تؤيد حديث أبي سعيد، ولا سيما حديث أنس، وكذلك قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَنْ يَشَاءُ)كما يفهمها جمهور أهل السنة بخلاف الخوارج وغلاة المرجئة.

هذا ومن أئمة السنة من لا يُكفِّر إلا بترك الشهادتين أو يقع في نواقضها.

ومنهم:

1- الإمام محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة السلفية بعد الإمامين ابن تيمية وابن القيم .

قال في "الدرر السنية" (1/102): "وسئل الشيخ / محمد بن عبد الوهاب-رحمه الله تعالى- عما يقاتل عليه؟ وعما يكفر الرجل به؟ فأجاب: أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة ؛ فالأربعة : إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها ؛ والعلماء : اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود ؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان".

 

فعلماء الأمة اختلفوا في تكفير تارك الأركان كسلاً، وأجمعوا على تكفير تاركها جحوداً.

وأجمعوا على كفر تارك الشهادتين.

والإمام محمد لا يكفر إلا بما أجمعوا عليه وهو الشهادتان .

وقوله هذا نص واضح في عدم تكفير تارك العمل؛ إذ ليس وراء الأركان الخمسة من الأعمال ما يكفر به، بل نص على أنه لا يكفر إلا بما أجمعوا عليه، وهو الشهادتان .

 

2- وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "الدرر السنية" (1/317) تأكيداً لما قاله الإمام محمد بن عبد الوهاب: "سألني الشريف عما نقاتل عليه، وما نكفّر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف، إذا عرف ثم أنكر... ".

 

3- وقال الشيخ عبد اللطيف في "الدرر السنية" (1/467) مؤكداً ما قاله آباؤه:

" وأخبرتهم ببراءة الشيخ، من هذا المعتقد والمذهب وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر والكفر بآيات الله ورسله أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له فيما يستحقه على خلقه، من العبادات والإلهية وهذا: مجمع عليه أهل العلم والإيمان".

 

4- وقال ابن سحمان في الضياء الشارق (ص35)، مطابع الرياض: " فمن أنكر التكفير جملة فهو محجوج بالكتاب والسنة، ومن فرق بين ما فرق الله ورسوله من الذنوب، ودان بحكم الكتاب والسنة، وإجماع الأمة في الفرق بين الذنوب والكفر فقد أنصف، ووافق أهل السنة والجماعة. ونحن لم نكفر أحداً بذنب دون الشرك الأكبر الذي أجمعت الأمة على كفر فاعله، إذا قامت عليه الحجة، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد كما حكاه في "الإعلام" لابن حجر الشافعي".

 

فهؤلاء كبار أئمة الدعوة السلفية في نجد لا يكفرون إلا بما أجمعت الأمة على أنه كفر.

وعبارة الإمام محمد -رحمه الله-: "ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان".

 

والظاهر أن هذه المواقف من هؤلاء الأئمة إنما هي مبنية على الأخذ بأحاديث فضل كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، وعلى أحاديث الشفاعة التي هي مبنية على فضل ومكانة كلمة التوحيد، وما لقائلها المعتقد لمعناها المخلص فيها من الجزاء عند الله على تفاوت أهلها في العمل بمقتضاها والتقصير فيه ، وعلى تفاوتهم في هذا التقصير، كما في أحاديث الشفاعة التي تبين هذا التفاوت، وقد سلف ذكرها قريباً.

هذا ولهؤلاء الأئمة أقوال أخرى تخالف أقوالهم هذه.

لكن المتأمل والناظر في الأدلة والإجماع الذي ذكروه يدرك أن المعتمَد عندهم هذا القول القائم على الأدلة المذكورة والإجماع، فما رأي عادل في أقوال هؤلاء الأئمة؟

 

التعليق السابع- قال عادل في (ص207) من كتاب ابن البناء في "الرد على المبتدعة":

"قلتُ: تتبع أقوال أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين في أن العمل ركن من أركان الإيمان يطول، وبهذا تعلم ضلال وخطأ المرجئة في عدم قولهم بُركنية العمل في الإيمان، وأن العمل عندهم شرط كمال، وأن الإنسان يكون مؤمناً بقلبه ولسانه، وإن لم يعمل بجوارحه!! كما صرّح بذلك البيجوري والكوثري، وغيرهما ممن تلقّفَ هذا القول وصرّح به من مرجئة هذا العصر!! ممن يقول بأن الإيمان قول وعمل في الظاهر ثم يتناقضون بعد ذلك بأن تارك العمل بالكلية ليس بكافر بل هو مسلم، وأن مآله ومصيره إلى الجنة!! ويتناقضون كذلك في حصرهم الكفر في الجحود والتكذيب دون القول والعمل!! والأدهى من ذلك والأمرّ من يجعل إجماع أهل السنة على رُكنية العمل في الإيمان من أقوال الخوارج المارقة!!" .

 

أقول:

1- ونحن وجميع أهل السنة نقول: إن العمل من الإيمان، ونعتقد ذلك اعتقاداً جازماً، ونقول به باطناً وظاهراً، ونستدل على ذلك بالأدلة الواضحة من كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- وأقوال السلف الصالح.

ونربي على ذلك، ونذم كل أهل البدع من خوارج وروافض ومعتزلة ومرجئة وصوفية وأحزاب ضالة، ونحذر منهم جميعاً، ونبيِّن ضلالاتهم وأباطيلهم بالأدلة والبراهين وأقوال السلف، ونربي الشباب على ذلك.

2- وقول عادل: " وبهذا تعلم ضلال وخطأ المرجئة في عدم قولهم بُركنية العمل في الإيمان، وأن العمل عندهم شرط كمال، وأن الإنسان يكون مؤمناً بقلبه ولسانه، وإن لم يعمل بجوارحه!! كما صرّح بذلك البيجوري والكوثري".

أقول: إن المرجئة أصناف، منهم من يقول: الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط، وهم مرجئة الجهمية،

ومنهم من يقول: الإيمان هو التصديق، وهم الأشاعرة.

ومنهم من يقول: الإيمان هو النطق باللسان وهم الكرامية.

ومنهم من يقول: الإيمان تصديق بالقلب ونطق باللسان، وهم مرجئة الفقهاء.

ومنهم من ينكر نصوص الوعيد.

ومنهم من يرى أن مرتكب الكبائر والمصر على ترك الفرائض مؤمن مستكمل الإيمان، وإذا لقي الله أدخله الجنة، بل جميعهم يعتقدون أنه مؤمن مستكمل الإيمان.

وكل هذه الأصناف يخرجون العمل من الإيمان.

وأقوالهم كلها باطلة.

فهؤلاء جميعاً خالفوا نصوص الكتاب والسنة، فضلّوا بذلك.

 

قال شيخ الإسلام في مناقشته للمرجئة:

" الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ غَلَطِ " الْمُرْجِئَةِ " :

ظَنُّهُمْ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ لَيْسَ إلَّا التَّصْدِيقَ فَقَطْ دُونَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ ؛ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جهمية الْمُرْجِئَةِ . الثَّالِثُ ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ"، "الإيمان"، (ص192).

وقال شيخ الإسلام –رحمه الله- في "الإيمان" (ص172):

" وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمَدْحُ إلَّا عَلَى إيمَانٍ مَعَهُ الْعَمَلُ، لَا عَلَى إيمَانٍ خَالٍ عَنْ عَمَلٍ، فَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ وَاقِعٌ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ نِزَاعُهُمْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ نِزَاعًا لَفْظِيًّا([13])، مَعَ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي اللَّفْظِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِنْ قَالُوا : إنَّهُ لَا يَضُرُّهُ تَرْكُ الْعَمَلِ فَهَذَا كُفْرٌ([14]) صَرِيحٌ ؛ وَبَعْضُ النَّاسِ يُحْكَى هَذَا عَنْهُمْ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَى الْعِبَادِ فَرَائِضَ وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُمْ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَلَا يَضُرُّهُمْ تَرْكُهَا، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ قَوْلَ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَحَدٌ([15])، لَكِنْ مَا عَلِمْت مُعَيَّنًا أَحْكِي عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ، وَإِنَّمَا النَّاسُ يَحْكُونَهُ فِي الْكُتُبِ، وَلَا يُعَيِّنُونَ قَائِلَهُ وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ مِنْ الْفُسَّاقِ وَالْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ أَوْ مَعَ التَّوْحِيدِ، وَبَعْضُ كَلَامِ الرَّادِّينَ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَصَفَهُمْ بِهَذَا".

 

أقول: أهل السنة يقولون ويؤكدون أن الذم والعقاب الشديد واقع في ترك العمل، ويذمون من يخرج العمل من الإيمان ولا يقول: إن الإيمان يزيد وينقص، ويُكفِّرون غلاتهم.

ونحن نقول: إن الإيمان يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة.

وعادل يرمي جمهور أهل السنة السابقين واللاحقين بالإرجاء، فبأي طائفة من طوائف الإرجاء يلحقهم؟

 

وقول عادل بعدما ذكر قول المرجئة:

" كما صرّح بذلك البيجوري والكوثري، وغيرهما ممن تلقّفَ هذا القول وصرّح به من مرجئة هذا العصر!! ممن يقول بأن الإيمان قول وعمل في الظاهر ثم يتناقضون بعد ذلك بأن تارك العمل بالكلية ليس بكافر بل هو مسلم، وأن مآله ومصيره إلى الجنة!!".

 

أقول: إن من يجعل أهل السنة المعاصرين الآخذين بنصوص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من أهل الإرجاء لظالم شديد الظلم.

ولا يستغرب هذا من إنسان يجعل جمهور أهل السنة والحديث السابقين واللاحقين وعلماءهم من المرجئة؛ لأنهم لم يكفروا تارك الصلاة، وعلى رأس هؤلاء الإمام الزهري والإمام مالك وحماد بن زيد والإمام الشافعي وأصحابهم من أهل السنة والحديث وغيرهم، ومنهم الإمام أحمد في عدد من أقواله والبربهاري وابن بطة وابن البناء الذين لا يكفرون تارك العمل بالكلية في بعض أقوالهم.

وابن قدامة وكثير من الحنابلة لا يكفرون تارك الصلاة.

فهؤلاء جميعاً ومن قال بقولهم مرجئة على مذهب عادل.

وأقول: ومن يُكفِّر تارك الصلاة إذا وقف أمام أحاديث الشفاعة لا يسعه إلا الأخذ بها، والابتعاد عن تأويلها؛ لأنها تتضمن عقوبة تاركي الصلاة وغيرهم بإدخالهم النار.

وتتضمن إخراجهم منها بتوحيدهم وبشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء والمؤمنين، ثم أخيراً برحمة أرحم الراحمين، وفيهم من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأين عملهم وصلاتهم، وهذا إيمانهم؟

وفيهم من لم يعمل خيراً قط.

هذا ما عرفناه من تصرفات كثير من أئمة السنة والحديث، بل على هذا طوائف أهل الحديث كما أسلفنا.

بخلاف عادل الذي يتظاهر هو وفرقته بالإيمان بهذه الأحاديث، ثم يحاربون حرباً شعواء من يؤمن بها ويسلم بصريح نطق رسول الله بها، فما ذنب من يأخذ بأحاديث الشفاعة، وهي قد تضمّنت تعذيب تارك الصلاة وتارك غيرها من الأعمال بجرائمهم، ثم يخرجهم الله من النار بسبب توحيدهم، وبما في قلوبهم من الإيمان والإخلاص؟

إن اعتبار أهل السنة المؤمنين بنصوص الكتاب والسنة ضُلّالاً ومخطئين ومرجئة لمن أشد الظلم، فالمرجئة كما يقول الإمام سفيان بن عيينة: " يقولون الإيمان قول ، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مُصراً([16]) بقلبه على ترك الفرائض ، وسموا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم ، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر([17])"، "السنة" لعبد الله بن أحمد (ص306) أثر (722)، وقد نقل عادل هذا القول عن سفيان –رحمه الله-.

وبرأ الله أهل السنة سابقهم ولاحقهم من هذا القول الغالي في الإرجاء ومن أهله.

فهل أهل السنة يقولون: الإيمان قول فقط ويخرجون الأعمال الصالحة من الإيمان، ويقولون بوجوب دخول الجنة لتارك الفرائض والأعمال؟

وهل يقولون في أفجر الناس: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-؟

والمرجئة يقولون: من لم يصم، ولم يصل بعد أن يقر به فهو مستكمل الإيمان.

وأهل السنة الذين يرميهم عادل بالإرجاء يقولون ويعتقدون أن الإيمان قول وعمل، قول بالقلب واللسان، وعمل بالقلب والجوارح، وأنه يزيد حتى يصير أمثال الجبال، وينقص حتى لا يبقى منه إلا أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة، كما دلَّ على ذلك أحاديث الشفاعة التي دلّت على تعذيب العصاة بالنار، وفيهم من يصلي ويصوم ويحج.

إن من يلحق أهل السنة -الذين هذه عقيدتهم- بالمرجئة لظالم غشوم، ومثله مثل من يسوي بين الثرى والثريا، ومن يسوي بين الظلمات والنور والظل والحرور.

 

وينسب عادل إلى أهل السنة المعاصرين أنهم يقولون: الإيمان شرط كمال، وهذا من البهت العظيم، فأهل السنة المعاصرين كسلفهم يقولون: إن العمل من الإيمان، ولا يقولون: شرط كمال.

ورب السماء والأرض إني لأول من أنكر هذا القول في هذا العصر.

أنكرته على خالد العنبري إذ نقل هذا القول، ونسبه إلى أهل السنة.

فأنكرته عليه، وطلبت منه حذفه من رسالته قبل أن يطبعها.

وأكدتُ هذا الإنكار عليه بشدة لما ذهب إلى الكويت وأثار هذا القول.

واستمررت في إنكار هذا القول إلى يومنا هذا، ولا أعلم سلفياً في المملكة واليمن ومصر والجزائر والمغرب يقول بهذا القول.

فليأت بالقائلين بهذا القول من أهل السنة في هذه البلدان من كتبهم أو مقالاتهم أو أشرطتهم، فإن عجز عرف الناس بهته وظلمه هو وفرقته التي تحارب أهل السنة بالتهاويل والافتراءات.

 

وقول عادل هنا عن أهل السنة المعاصرين:

"ويتناقضون كذلك في حصرهم الكفر في الجحود والتكذيب دون القول والعمل!!".

 

أقول: إن أهل السنة المعاصرين كسلفهم لا يحصرون الكفر في الجحود والتكذيب دون القول والعمل، فهذا من الافتراء عليهم.

وأنا وأهل السنة أول من أنكر ذلك على قائله.

وندين الله بأن الكفر يكون بالجحود بالقلب وبالقول مثل من يسب الله أو يسب الرسول أو غيره من الأنبياء أو يسب الدين أو يكذب بآية من القرآن ونحو ذلك مما يكفر به القائل بلسانه.

وأنه يكون بالفعل بالجوارح كمن يسجد للصنم أو يمتهن المصحف برجله، أو يتعمد الصلاة لغير القبلة.

فنسبة هذا إلى أهل السنة المعاصرين أو السابقين من الفجور القاتل.

وقوله: " والأدهى من ذلك والأمرّ من يجعل إجماع أهل السنة على رُكنية العمل في الإيمان من أقوال الخوارج المارقة!!" .

 

أقول: إن أهل السنة السابقين واللاحقين متفقون على أن العمل الصالح كله من الإيمان بخلاف طوائف المرجئة الذين لا يعتقدون أن العمل من الإيمان، وأهل السنة يكفرون مرجئة الجهمية.

ولا يقول أحد منهم في من يقول بأن العمل من الإيمان: إن هذا القول من أقوال الخوارج، وإن كان الخوارج يوافقون أهل السنة في أن العمل من الإيمان، لكنهم لما خالفوا أهل السنة في مرتكبي الكبائر فكفروهم وحكموا على من مات مصراً على كبيرة بأنه كافر مخلد في النار واستحلوا بذلك دماء المسلمين حاربهم أهل السنة بالسيف والسنان، وكثير من أهل السنة كفروهم بهذا وبغيره من ضلالاتهم.

بل حذّر منهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم وأمر بقتلهم وقتالهم، ووصفهم بأنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ووصفهم بأنهم شر الخلق والخليقة، واتفق الصحابة على قتلهم وقتالهم، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- أحد الخلفاء الراشدين، ولما اشتد الجهيمانيون الحداديون على أهل السنة، وصار شغلهم الشاغل الطعن فيهم، ورموهم بالإرجاء، وصاروا لا يفترون عن ذم أهل السنة والطعن فيهم شبهوهم بالخوارج، وقد قال السلف: "من علامة أهل البدع الطعن في أهل السنة.

ولما بلغ الإمام أحمد أن ابن أبي قتيلة يقول: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أبو عبد الله وهو ينفض ثوبه فقال : زنديق ! زنديق ! زنديق ! ودخل البيت، "معرفة علوم الحديث" (ص4).

وها أنت اليوم من أشد الناس على أهل السنة السابقين ، فترميهم بالإرجاء؛ لأنهم لا يكفرون تارك الصلاة.

وتفتري على أهل السنة المعاصرين، وتقذفهم بالبوائق، وشمّرت عن ساعد الجد لتحقيق كتب أهل السنة في العقائد، ومن أعظم أهدافك في النهوض بتحقيق هذه الكتب حرب أهل السنة، فقد جعلتهم هدفاً لك في كل كتاب حققته، وهذا أمر لم يفعله خوارج العصر ولا مرجئتهم إلا الكوثري وتلاميذ سيد قطب، بل هؤلاء لا يلحقونكم في حرب أهل السنة.

فإن كان عندك سلفية صادقة، فاحترم السلفيين أهل السنة السابقين واللاحقين، واعترف بظلمك لهم وتجنيك عليهم.

وتب إلى الله توبة نصوحاً.

ولقد كنا ندرك من أساليب الحدادية وطعونهم في بعض السلفيين المعاصرين أنهم يهدفون إلى الطعن في السلف، وفعلاً طعن الحداد في شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز، وتجاوب معه أتباعه، فلما بيّنا ظلم الحداد وافتراءه عليهم صار الحدادية يتظاهرون باحترام ابن تيمية، ونحن لا نصدقهم لقرائن عندنا.

وها أنت اليوم تطعن في أهل السنة القدامى والمعاصرين وترميهم بالضلال والإرجاء وتسرف في ذلك، وما أظن الحدادية إلا يؤيدونك.

ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وعند الله تجتمع الخصوم.

 

التعليق الثامن- قال عادل معلقاً على "كتاب الرد على المبتدعة" (ص209-210) مدعياً إجماع الصحابة والتابعين على تكفير تارك الصلاة من غير تفريق عندهم بين من تركها جحوداً أو تهاوناً وكسلاً، وساق هنا كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذا نصه:

" وَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَإِيمَانًا ؛ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التَّحْقِيقِ إلَّا مَا هُوَ دُونَ تَحْقِيقِ السَّلَفِ لَا فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي الْعَمَلِ وَمَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّظَرِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وبالعمليات عَلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابَةِ دَائِمًا أَرْجَحُ مِنْ قَوْل مَنْ بَعْدَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يَبْتَدِعُ أَحَدٌ قَوْلًا فِي الْإِسْلَامِ إلَّا كَانَ خَطَأً وَكَانَ الصَّوَابُ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مِنْ قَبْلِهِ".

 

أقول: قد سلف في هذا البحث قريباً بيان بطلان دعوى الإجماع بالأدلة والبراهين، وسوف أناقشه في بعض الفقرات في هذا التعليق.

أقول: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ليصرِّح في العديد من أقواله بفضل أهل السنة والحديث وعلى امتداد العصور ويعتبرهم الطائفة المنصورة، ولا يريد بهذا الكلام الذي نقله عنه عادل إلا الملاحدة وأهل الضلالات من أهل الكلام الباطل، وسياق كلامه وسباقه واضح فيما أقول.

قال -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (7/435-436):

" وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَنْصُرُهُ لَا يَكُونُ عَارِفًا بِحَقِيقَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ وَلَا مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ . وَلَا مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ . فَيَنْصُرُ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِغَيْرِ الْمَآخِذِ الَّتِي كَانَتْ مَآخِذَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ بِمَآخِذَ أُخَرَ قَدْ تَلَقَّوْهَا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فَيَقَعُ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ وَالْخَطَأِ مَا ذَمَّ بِهِ السَّلَفُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ فَإِنَّ كَلَامَهُمْ فِي ذَمِّ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ كَثِيرٌ . وَالْكَلَامُ الْمَذْمُومُ هُوَ الْمُخَالِفُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُل مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَهُوَ بَاطِلٌ وَكَذِبٌ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ) . فَهَؤُلَاءِ لَمَّا اُشْتُهِرَ عِنْدَهُمْ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إلَّا إذَا جُعِلَ الْإِيمَانُ هُوَ مَا يَمُوتُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يُوَافِي بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ هَذَا ؛ فَصَارُوا يَحْكُونَ هَذَا عَنْ السَّلَفِ ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ ؛ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ حَكَوْهُ عَنْهُمْ بِحَسَبِ ظَنِّهِمْ : لِمَا رَأَوْا أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ مَا نَصَرُوهُ مِنْ أَصْلِ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ هُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ وَالنُّظَّارِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي مَذَاهِبِ السَّلَفِ الَّتِي خَالَفَهَا بَعْضُ النُّظَّارِ وَأَظْهَرَ حُجَّتَهُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ قَوْلِ السَّلَفِ ؛ فَيَقُولُ مَنْ عَرَفَ حُجَّةَ هَؤُلَاءِ دُونَ السَّلَفِ أَوْ مَنْ يُعَظِّمُهُمْ لِمَا يَرَاهُ مِنْ تَمَيُّزِهِمْ عَلَيْهِ : هَذَا قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ . وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ الْمُخَالَفَةِ لِلْعَقْلِ مَعَ الشَّرْعِ ؛ وَهَذَا كَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُبْتَدِعِينَ وَبَعْضِ الْمُلْحِدِينَ.

وَمَنْ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَإِيمَانًا ؛ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ التَّحْقِيقِ إلَّا مَا هُوَ دُونَ تَحْقِيقِ السَّلَفِ لَا فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي الْعَمَلِ وَمَنْ كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالنَّظَرِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وبالعمليات عَلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابَةِ دَائِمًا أَرْجَحُ مِنْ قَوْل مَنْ بَعْدَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يَبْتَدِعُ أَحَدٌ قَوْلًا فِي الْإِسْلَامِ إلَّا كَانَ خَطَأً وَكَانَ الصَّوَابُ قَدْ سَبَقَ إلَيْهِ مَنْ قَبْلَهُ".

 

فشيخ الإسلام يقصد بكلامه هذا الملحدين وأهل الكلام الضالين، كما يرى ذلك القارئ الكريم.

فتنـزيل عادل هذا الكلام الشديد - في أهل الضلال والملحدين - على أهل السنة والحديث وأئمتهم الذين لا يرون تكفير تارك الصلاة بناء على ما عندهم من الجج والبراهين تنـزيل باطل ظالم، فإن هؤلاء سائرون على منهج الصحابة عقيدة ومنهجاً وأخلاقاً وعداوة لأهل الضلال وبيان ضلالهم.

وانظر إلى قول شيخ الإسلام: " وَهَذَا كَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُبْتَدِعِينَ وَبَعْضِ الْمُلْحِدِينَ" ، مع سائر طعنه في النوعين من أهل الضلال تدرك ما يكنه عادل لأهل الحديث والسنة من البغض، وأنه ينتهز أي فرصة للطعن فيهم وتشويههم.

 

التعليق التاسع- قال عادل في (ص210) في تعليقه على كتاب "الرد على المبتدعة":

"قلت: وقد جعل بعض أئمة السنة ترك تكفير تارك الصلاة من أقوال المرجئة:

قال ابن معين –رحمه الله-: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء (يعني المرجئة) يقولون: من لم يصم، ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان.

قال عبد الله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمداً من غير علة حتى أدخل وقتاً في وقت فهو كافر. "تعظيم قدر الصلاة" (982)".

أقول: أثر ابن المبارك لا يثبت عنه؛ لأن في إسناده راوياً مجهولاً هو أحمد بن حكيم، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" رقم (519): "مجهول".

وأعتقد أن عادلاً أدرك ضعف هذا الإسناد إلى ابن المبارك، فلجأ إلى قوله:

" قال ابن معين –رحمه الله-: قيل لعبد الله بن المبارك...الخ

وعلى فرض صحة قول ابن المبارك -رحمه الله- فهو لا يقصد بكلامه أهل السنة والحديث الذين لا يكفرون تارك الصلاة، وبينهم وبين المرجئة بعد المشرقين. وإنما يقصد إن صحَّ عنه هذا القول: المرجئة الذين يقولون من لم يصم ولم يصل بعد أن يقر به، فهو مؤمن مستكمل الإيمان. وبرأ الله أهل السنة والحديث من هذا القول الباطل، فإنهم يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة بناء على الأدلة والبراهين.

وقول المرجئة يخالف البراهين من الكتاب والسنة، وما عليه الصحابة ومن اتبعهم بإحسان، فظهر للقارئ أن عادلاً ينـزل الكلام في غير منازله، وأنه ينتهز أي فرصة للطعن في أهل السنة والحديث.

ثم إن المرجئة يقولون: الإيمان قول، وأوجبوا دخول الجنة لمن ترك الفرائض.

قال سويد بن سعيد الهروي: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء، فقال: يقولون: (الإيمان قول) ، ونحن نقول: (الإيمان قول وعمل)، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصراً بقلبه على ترك الفرائض، وسمّوا ترك الفرائض ذنباً بمنـزلة ركوب المحارم، وليس بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمداً من غير جهل ولا عذر هو كفر...رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" (722).

وقد نقل عادل هذا الكلام في تعليقه على كتاب "الرد على المبتدعة" (ص208).

ونسأل عادلاً هل أهل السنة يوجبون الجنة لمن يصر بقلبه على ترك الفرائض؟

التعليق العاشر- على قول عبد الله ابن الإمام أحمد -رحمهما الله- في كتاب "السنة" (ص302-303) حديث (710):

" حدثني سويد بن سعيد الهروي، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يزيد الرقاشي، قال: سألت أنس بن مالك -رضي الله عنه- فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك".

علّقَ عليه عادل بقوله:

"رواه ابن ماجه (1080)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" ( 897و 898)، وروى مسلم (160)([18]) نحوه من حديث جابر –رضي الله عنه- وسيأتي برقم (744).

وأهل السنة يوردون هذا الحديث في أبواب الرد على المرجئة الذين يرون ترك الصلاة ليس بكفر يخرج من الملة، فخالفوا بذلك أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين.

قال ابن معين –رحمه الله-: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء (يعني المرجئة) يقولون: من لم يصم، ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان.

قال عبد الله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمداً من غير علة حتى أدخل وقتاً في وقت فهو كافر. "تعظيم قدر الصلاة" (982).

قال محمد بن نصر -رحمه الله- في "تعظيم قدر الصلاة" (2/925): "... ذكرنا الأخبار المروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في إكفار تاركها - يعني: الصلاة-، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة -رضي الله عنهم- مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك...الخ.

عن أبي الزبير قال: سمعت جابرا -رضي الله عنه- وسأله رجل: أكنتم تعدون الذنب فيكم شركا؟ قال: لا. قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر؟ قال: ترك الصلاة.

وفي رواية: ما كان فرق بين الكفر وبين الإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: الصلاة. "تعظيم قدر الصلاة" (947)، والخلال (1379)، واللالكائي (1527)".

 

أقول: الكلام على تعليقه هذا من وجوه.

1- أن حديث أنس هذا ضعيف جداً؛ لأن في إسناده يزيد الرقاشي.

قال فيه النسائي وغيره: متروك، وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، وكان سعيد يحمل عليه، وقال الفلاس: ليس بالقوي.

وفيه أقوال أخر، انظر "الميزان" (4/418)، وساق الذهبي ثلاثة أحاديث من رواياته المنكرة.

وفي إسناده الوليد بن مسلم، وهو مشهور بتدليس التسوية، وهو أشد أنواع التدليس وشرها، وقد عنعن في هذا الإسناد.

فهذا الحديث في إسناده علتان، إحداهما أن صاحبها متروك، فمثل هذا الحديث لا يقبل التقوية ولا يعتضد به.

ويؤخذ على عادل أنه لم ينبه القراء على ما في إسناد هذا الحديث من شدة الضعف، وأشار إلى حديث جابر ليشعر القراء أن الحديث صحيح، مرويٌ عن صحابيين، فكان عليه أن يبين شدة ضعف حديث أنس،وإذا جاءه حديث جابر بيَّن درجته من الصحة أو الحسن.

 

2- قوله: "وأهل السنة يوردون هذا الحديث في أبواب الرد على المرجئة الذين يرون ترك الصلاة ليس بكفر يخرج من الملة، فخالفوا بذلك أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجماع الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين".

أقول:

أ- إن عادلاً بهذا التقرير يخرج جمهور أهل السنة والحديث وأئمتهم من السنة إلى البدعة، ويحصر أهل السنة في من يكفر تارك الصلاة، والأدهى والأمرّ من هذا أنه يحكم على أهل السنة بأنهم خالفوا الأحاديث والإجماع،وهذا أمر خطير جداً، له دلالات خطيرة.

فهم يعظمون سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعملون بها، ويؤلفون ويجمعون بين نصوص الوعد والوعيد بفقه ووعي، ولا يخالفون أي إجماع، وما يدَّعيه من الإجماع لم يثبت، ولو ثبت عندهم لرفعوه على رؤوسهم.

ب- كيف يعتبر عادل من لا يُكفِّر تارك الصلاة من أهل السنة وأئمتهم مرجئة؟

وهم يؤمنون بأن من يترك فريضة من الفرائض يستحق دخول النار، ويؤمنون بنصوص الوعيد لكل أنواع أهل المعاصي، ويؤمنون بأحاديث الشفاعة التي تدل على دخول كثير من العصاة النار، وأنّ منهم من لا يبقى من إيمانه إلا مثقال ذرة، ومنهم لا يبقى من إيمانه إلا أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة([19]).

ويحكم أهل السنة على الممتنعين عن الصلاة بالقتل، ويبغضون تاركي الصلاة، ويحكمون عليهم بأن عندهم كفر، ويستدلون بالأحاديث الواردة في تاركي الصلاة على ضلاله وفسقه.

بينما المرجئة يعتقدون أن إيمان المجرمين - مهما بلغوا من الإجرام والفجور - مثل إيمان جبريل وميكائيل ومحمد -صلى الله عليهم وسلم-.

وفي الوقت نفسه يؤمنون بالأحاديث التي تدل على فضل "لا إله إلا الله"، والأحاديث التي تضمّنت أن من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومنها حديث ابن مسعود وحديث جابر بن عبد الله وحديث أبي ذر –رضي الله عنهم-، التي رواها الإمام مسلم في "صحيحه"، حيث قال -رحمه الله-:

" 92- حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي ووكيع عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله، (قال وكيع: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.وقال ابن نمير: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) يقول: "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار"، وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.

93- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" .

93- وحدثني أبو أيوب الغيلاني سليمان بن عبد الله وحجاج بن الشاعر، قالا: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا قرة عن أبي الزبير، حدثنا جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار".

قال أبو أيوب: قال أبو الزبير: عن جابر .

93- وحدثني إسحاق بن منصور أخبرنا معاذ (وهو ابن هشام) قال حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال، بمثله .

94- وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن واصل الأحدب عن المعرور بن سويد، قال: سمعت أبا ذر يحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أتاني جبريل -عليه السلام-، فبشرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق".

فهذه الأحاديث الصحيحة إلى جانب نصوص صحيحة كثيرة حجزت كثيراً من أهل السنة والحديث عن تكفير تارك الصلاة.

جـ- من مجازفات عادل قوله: "وأهل السنة يوردون هذا الحديث([20]) في أبواب الرد على المرجئة الذين يرون ترك الصلاة ليس بكفر يخرج من الملة...".

أقول: وأنا أسأل عادلاً أين أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي هذا الحديث؟ وهات تراجمهم التي يرمون فيها من لم يكفر تارك الصلاة بالإرجاء.

إن ابن ماجه متساهل جداً في الرواية عن الضعفاء والمتروكين، وقد انفرد برواية هذا الحديث، ومع هذا أورده تحت ترجمة هذا نصها: "باب ما جاء فيمن ترك الصلاة"، ولم يقل: "باب من لم يكفر تارك الصلاة فهو مرجئ".

وعبد الله بن الإمام أحمد أورده تحت ترجمة هذا نصها: "سئل([21]) عن الإيمان والرد على المرجئة" -وهي بعيدة جداً عن هذا الحديث-، ولم يقل: باب بيان أن من لم يكفر تارك الصلاة فهو مرجئ.

فما هذه الأراجيف على أهل السنة وأئمتهم؟

أيا عادل من يتابع تعليقاتك على كتب السنة والعقيدة يجدك شديد التسلط على أهل السنة السابقين واللاحقين، والحكم عليهم بالأحكام الجائرة وتضليلهم بما تزعمه من مخالفتهم لإجماع الصحابة والتابعين ولأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا تصح دعوى الإجماع.

وهم لا يخالفون أحاديث الرسول –صلى الله عليه وسلم-، بل هم يعظمونها ويجلونها ويتفقهون فيها، ويجمعون بين ما قد يظهر فيها من تعارض عند من لا يمعن النظر، وهم في الوقت نفسه يحترمون من يخالفهم من أهل السنة، ويعرفون لهم قدرهم، ويناقشون أقوالهم،لا بالجهل والهوى، وإنما بالحجج والبراهين.

فلماذا هذا التسلط الظالم من عادل وأمثاله على أهل السنة الأجلاء المعظمين للسنة والمتمسكين بها، المحاربين لمن خالفها واتبع هواه من أهل البدع من المرجئة والخوارج والروافض والصوفية القبورية وأهل وحدة الوجود وأهل وحدة الأديان ومن شايعهم ودافع عنهم، وكل من انحرف عن منهج الله الحق.

 

3- قوله: " قال ابن معين –رحمه الله-: قيل لعبد الله بن المبارك: إن هؤلاء (يعني المرجئة) يقولون: من لم يصم، ولم يصل بعد أن يقر به فهو مؤمن مستكمل الإيمان.

قال عبد الله: لا نقول نحن كما يقول هؤلاء، من ترك الصلاة متعمداً من غير علة حتى أدخل وقتاً في وقت فهو كافر. "تعظيم قدر الصلاة" (982)".

 

أقول: تقدّم الكلام على أثر عبد الله بن المبارك وبيان أنه ضعيف؛ لأن في إسناده راوياً مجهولاً.

انظر بيان ضعفه، والتعليق عليه (ص18).

 

4- قوله: "قال محمد بن نصر -رحمه الله- في "تعظيم قدر الصلاة" (2/925): "... ذكرنا الأخبار المروية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في إكفار تاركها - يعني: الصلاة-، وإخراجه إياه من الملة، وإباحة قتال من امتنع من إقامتها، ثم جاءنا عن الصحابة -رضي الله عنهم- مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك...الخ.

عن أبي الزبير قال: سمعت جابراً -رضي الله عنه- وسأله رجل: أكنتم تعدون الذنب فيكم شركا؟ قال: لا. قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر؟ قال: ترك الصلاة.

وفي رواية: ما كان فرق بين الكفر وبين الإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: الصلاة. "تعظيم قدر الصلاة" (947)، والخلال (1379)، واللالكائي (1527)".

 

أقول: لعل عادلاً يرى أن في كلام الإمام محمد بن نصر هذا ما يدل على إجماع الصحابة، والظاهر أن ابن نصر استند إلى كلام عبد الله بن شقيق الذي فيه دعوى الإجماع.

والحق أن دعوى الإجماع هذه لا تثبت، وقد بيّنا بطلان دعوى هذا الإجماع بالأدلة فيما سلف.

ومنها – ضعف الإسناد إلى عبد الله بن شقيق.

ومنها – أنه لم يرو إلا عن عدد قليل جداً من الصحابة، بل صرّح علي بن المديني أن عبد الله بن شقيق لم يرَ من الصحابة إلا اثنين الذين يزيد عددهم على مائة ألف.

انظر كتاب "المعرفة والتأريخ" (2/128-129).

 

وقوله: " عن أبي الزبير قال: سمعت جابراً -رضي الله عنه- وسأله رجل: أكنتم تعدون الذنب فيكم شركا؟ قال: لا. قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر؟ قال: ترك الصلاة.

وفي رواية: ما كان فرق بين الكفر وبين الإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: الصلاة. "تعظيم قدر الصلاة" (947)، والخلال (1379)، واللالكائي (1527)".

 

أقول: إسناد هذه الرواية عن جابر صحيح.

قال الإمام محمد بن نصر : " حدثنا يحيى بن يحيى قال أخبرنا أبو خيثمة عن أبي الزبير قال: سمعت جابراً -رضي الله عنه-، وسأله رجل: أكنتم تعدون الذنب فيكم شركا؟ قال: لا. قال: وسئل ما بين العبد وبين الكفر؟ قال: ترك الصلاة".

وفي هذا النص عن جابر:

1- عدم التكفير بالذنوب عند الصحابة –رضي الله عنهم-.

2- أن جابراً نفسه يرى كفر تارك الصلاة ولم ينسب قوله هذا إلى أحد غيره من الصحابة.

ولا أدري لماذا حذف عادل إسناد هذه الرواية؟

ألأنها لم تنص على تكفير الصحابة لتارك الصلاة؛ الأمر الذي يدّعي عادل أنه إجماع من الصحابة على تكفيره؟

أم العجز عن كتابة الإسناد؟

 

وقوله: "وفي رواية: ما كان فرق بين الكفر وبين الإيمان عندكم من الأعمال على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: الصلاة. "تعظيم قدر الصلاة" (947)، والخلال (1379)، واللالكائي (1527)".

 

أقول: هذه الرواية ضعيفة، وقد بيّنتُ ضعفها فيما سلف من هذا البحث، انظر (ص18) من الحلقة الأولى.

 

التعليق الحادي عشر- عرّف أبو الحسن ابن البناء في كتابه "الرد على المبتدعة" (ص206) الإيمان بأنه التصديق في اللغة، وهو في الشريعة: التصديق وجميع الطاعات والواجبات والنوافل مع اجتناب المعاصي.

ثم قال: "وهو قول باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالجوارح".

 

علّق عليه عادل بقوله:

"نقل الإجماع غير واحد من أهل السنة على أن للإيمان ثلاثة أركان، وأنه لا يقبل إيمان أحد إلا إذا استكمل هذه الأركان الثلاثة، وممن نقل ذلك:

1- قال الإمام الشافعي –رحمه الله-: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية ، لا يُجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر"، اللالكائي (1593)، و"الإيمان" لابن تيمية (ص197)".

 

أقول:

1- صحيح أن للإيمان ثلاثة أركان: الاعتقاد بالقلب والقول باللسان والعمل بالجوارح، وأركان العمل بالجوارح أربعة: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكثير من أهل السنة لا يكفرون إلا بترك الصلاة فقط، ولا يكفرون بباقي الأركان، فعلى ما نقله عادل من الإجماع من أنه لا يقبل إيمان أحد إلا إذا استكمل هذه الأركان الثلاثة يكون من لا يكفر بترك الزكاة والصيام والحج، -وهي أركان عظيمة للإيمان- من المرجئة.

2- من نقل هذا الإجماع - المنسوب إلى الشافعي- غير الشافعي؟ فهاته، وإلا فهذه الدعوى من الأباطيل التي لا أصل لها.

3- لا يثبت هذا النقل عن الإمام الشافعي، ولا يوجد في كتبه لا "الأم" ولا غيرها، وقد صرّح محقق كتاب اللالكائي بأنه لم يجده في "الأم" للشافعي، والأمر كذلك.

4- ومما يبطل هذه الدعوى ما نقله ابن أبي حاتم عن الإمام الشافعي في "آداب الشافعي ومناقبه" (ص192).

حيث قال –رحمه الله-: "حدثنا أبي قال سمعت حرملة بن يحيى قال اجتمع حفص الفرد ومصلاق([22]) الإباضي([23]) عند الشافعي في دار الجروي يعني بمصر فاختصما في الإيمان فاحتج مصلاق في الزيادة والنقصان، واحتج حفص الفرد في أن الإيمان قول، فعلا حفص الفرد على مصلاق وقوي عليه، وضعف مصلاق، فحمي الشافعي وتقلّد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفصاً الفرد وقطعه".

 

وقال أبو نعيم في "الحلية" (9/114-115):

" حدثنا محمد بن عبد الرحمن حدثني أبو أحمد حاتم بن عبدالله الجهازي قال سمعت الربيع بن سليمان يقول سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم تلا هذه الآية : (ويزداد الذين آمنوا إيمانا ...الآية

حدثنا عبدالله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم قال: سمعت الربيع يحكي عن الشافعي قال ما أعلم في الرد على المرجئة شيئا أقوى من قول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)".

وقال –رحمه الله-: " حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا عبدالله بن محمد بن يعقوب ثنا أبو حاتم قال: سمعت حرملة بن يحيى يقول اجتمع حفص الفرد ومصلان الأباضي عند الشافعي في دار الجروي وأنا حاضر واختصم حفص الفرد ومصلان في الإيمان فاحتج على مصلان وقوي عليه وضعف مصلان فحمى الشافعي وتقلد المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فطحن حفصا الفرد وقطعه".

وأورده البيهقي من هذا الوجه في "مناقب الشافعي" (1/387).

 

وقال ابن عبد البر –رحمه الله- في "الانتقاء" (ص81):

"وذكر أبو القاسم عبيدالله بن عمر البغدادي الشافعي الذي استجلبه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين وأسكنه الزهراء حدثنا محمد بن علي قال: نا الربيع قال سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد بالقلب ألا ترى قول الله عز وجل: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيمانا وهي قول وعمل وعقد، قال الربيع: وسمعت الشافعي يقول الإيمان يزيد وينقص".

 

وقال البيهقي –رحمه الله- في "مناقب الشافعي" (1/385):

" أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، قال: حدثني يوسف بن عبد الأحد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي -رضي الله عنه- يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص".

 

وقال الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في "فتح الباري" (1/46-47):

"وقال الحاكم في مناقب الشافعي : حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال : سمعت الشافعي يقول : الإيمان قول وعمل ، ويزيد وينقص . وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من الحلية من وجه آخر عن الربيع وزاد : يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية . ثم تلا (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) الآية" .

 

أقول: يرى القارئ الكريم عدداً من الأسانيد مدارها على صاحبي الشافعي: الربيع بن سليمان وحرملة بن يحيى يخبران عن الإمام الشافعي بأنه يقول: " الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ، ولم ينقلا عنه الإجماع المزعوم، وهذا القول هو قول أهل السنة جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، لا يزيدون على هذا النص المنقول هنا عن الشافعي بهذه الأسانيد.

قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري –رحمه الله-:

" لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر لقيتهم كرات قرنا بعد قرن ثم قرنا بعد قرن أدركتهم وهم متوافرون منذ أكثر من ست وأربعين سنة أهل الشام ومصر والجزيرة مرتين والبصرة أربع مرات في سنين ذوي عدد بالحجاز ستة أعوام ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي أهل خراسان منهم: المكي بن إبراهيم ويحيي بن يحيي وعلي بن الحسن بن شقيق وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر".

ثم ذكر عدداً من العلماء من مختلف البلدان، منهم الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو معمر وأبو خيثمة وأبو عبيد القاسم بن سلام.

ثم قال : "واكتفينا بتسميه هؤلاء كي يكون مختصرا وأن لا يطول ذلك فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)" ، انظر "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي (1/194-195).

وقال ابن أبي حاتم: " سالت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك فقالا أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا وشاما ويمنا فكان من مذهبهم الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ، انظر "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي (1/198).

أقول: فهؤلاء الأئمة: البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة ينقلون تعريف الإيمان عن أئمة الإسلام في جميع أمصار المسلمين أنهم يقولون: "الإيمان قول وعمل"، كما نقل ذلك البخاري عن أكثر من ألف عالم، وكما نقل عنهم أبو حاتم وأبو زرعة . 

أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص .

ولم يحكِ أحد منهم الإجماع الذي نسب إلى الإمام الشافعي. 

من أنه يقول: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية ، لا يُجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر"، اللالكائي (1593)، و"الإيمان" لابن تيمية (ص197)".

فهل أئمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها تمالؤا على كتمان هذا الإجماع؟

وهل يرى عادل وطائفته أن هؤلاء الأئمة في جميع الأمصار مرجئة؟

إن منهجهم ليقتضي ذلك.

لا سيما وعادل يخرج جماهير أهل السنة من أهل السنة؛ لأنهم لا يُكفِّرون تارك الصلاة، وقد مرّ بك هذا؛ ولأن طائفته لا يكفي عندها هذا التعريف للإيمان.

إذ لا بد أن يقول المسلم: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه شيء، فإذا قال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثقال ذرة - كما دلَّ على ذلك سنة رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، فهو عندهم مرجئ .

نعوذ بالله من هذا الغلو المدمر والمصادم لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

5- أن الصحابة لم يُعرِّفوا الإيمان، وإنما عرَّفه أهل السنة بعد ظهور المرجئة في عهد التابعين؛ لأن أول من قال بالإرجاء طلق بن حبيب العنـزي المتوفى ما بين التسعين إلى المائة، وقيل: ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني الذي مات قبل المائة، وهذا مما يوهن دعوى هذا الإجماع، الذي لو صحَّ لصار أكثر أهل السنة مرجئة، ولكان الخوارج أولى بالحق وبالصحابة.

ومما يؤكد هذا قول ابن القيم -رحمه الله- في "شرحه لمختصر سنن أبي داود بحاشية عون المعبود" للعظيم آبادي (12/456):

"والذي صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذمهم من طوائف أهل البدع هم : (الخوارج)، فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح، لأن مقالتهم حدثت في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكلمه رئيسهم .

وأما الإرجاء، والرفض، والقدر ، والتجهم، والحلول وغيرها من البدع فإنها حدثت بعد انقراض عصر الصحابة . وبدعة القدر : أدركت آخر عصر الصحابة، فأنكرها من كان منهم حيَّا: كعبدالله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما –رضي الله عنهم-.وأكثر ما يجيء من ذمهم فإنّما هو موقوف على الصحابة من قولهم فيه.

ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة، فتكلم فيها كبار التابعين الذين أدركوها كما حكيناه عنهم ، ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين. واستفحل أمرها واستطار شرها في زمن الأئمة كالإمام أحمد وذويه ". اهـ

 

هل البدع

 

 

ومما يُبطل نقل الإجماع قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- الذي نقله عادل في (ص207) من تعليقه على كتاب "الرد على المبتدعة":

"مذهب الصحابة وجماهير السلف من التابعين لهم بإحسان وعلماء المسلمين: أن الإيمان قول وعمل، أي: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح".

فنسب شيخ الإسلام هذا المذهب إلى الصحابة وجماهير السلف، ولم ينسبه إلى كل السلف، ونحن نعتقد أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان يؤمنون كل الإيمان أن العمل من الإيمان، ولذا قاتل الصحابة مانعي الزكاة مع أهل الردة لأنهم امتنعوا عن أداء الزكاة، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: "وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (1456)، ومسلم حديث (20).

وعلى هذا أهل السنة جميعاً، لكن أعتقد أن الصحابة ما عرّفوا الإيمان بأي تعريف، لأن أسباب تعريفه من الإرجاء وغيره لم تظهر إلا بعد عصرهم، كما سلف بيان ذلك.

وأن التابعين ومن بعدهم ما عرّفوه إلا بقولهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، كما نُقل ذلك عن أئمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وأنهم ما قالوا: لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر، وأنه لا يقبل إيمان أحد إلا إذا استكمل الثلاثة.

وتأمل التعريف الذي نسبه شيخ الإسلام إلى من ذكرهم من أن الإيمان قول وعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، ولم ينقل عنهم بقية هذا التعريف المنسوب إلى الشافعي -رحمه الله-.

 

كيف يقولون هذا، وهم ينقلون عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحاديث الشفاعة، وفيها: أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال دينار من إيمان، ومن في قلبه مثقال نصف دينار من إيمان، ومن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ومن في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان.

ويخرج الله من النار قوماً لم يعملوا خيراً قط.

ويخرج أناساً من النار ويدخلهم الجنة من غير عمل عملوه ولا خير قدّموه.

ويقول الله: " وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله".

فهل هؤلاء أتوا بكل الأركان واستكملوا الإيمان؟

وهل يجرؤ أحد يخشى الله ويوقر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخالف أقواله الثابتة ثبوت الجبال؟

وهذه النصوص هي أسلحة أهل السنة في الرد على الخوارج الذين يُكفِّرون بالذنوب، ويحكمون على مرتكبيها بنار الخلود.

 

وفي النهاية نقول:

1- إنه قد تبيّن بالدراسة الجادة أن دعوى إجماع الصحابة والتابعين على تكفير تارك الصلاة تهاوناً وكسلاً لم تثبت.

وأن تعريف الإيمان المنسوب إلى الشافعي –رحمه الله- لم يثبت، وكيف يثبت وهو يتعارض مع قول الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )، ومع أحاديث الشفاعة وأحاديث مكانة التوحيد وفضائله؟

وهل أئمة الإسلام وعلماؤه في مشارق الأرض ومغاربها لم يعلموا هذا التعريف، أو أنهم تواطئوا على عدم نقله؟، حاشاهم وحاشاهم.

2- إن تارك الصلاة إن كان مستحلاً لتركها فهو كافر، إلا إذا كان يجهل وجوبها كالحديث العهد بالإسلام، أو يعيش في بادية بعيدة عن أمصار المسلمين وقُراهم فيُبيَّن له أهميتها ووجوبها، فإن عاند واستمر في تركها فهو كافر.

وإن كان تركها كسلاً وتهاوناً مع اعتقاده بوجوبها، فهذا يُدعى إلى الصلاة، فإن أبى أن يصلي هذه الصلاة حتى خرج وقتها، فالذي ندين الله به أنه فاسق مجرم يجب قتله إذا أصرَّ على تركها، ونبغضه في الله، ونحذر منه ومن شره، ونطلق عليه الكفر؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".

ولولا أحاديث الشفاعة وحديث صاحب البطاقة الذي لقي الله وليس عنده عمل ولكن عنده لا إله إلا الله فغفر له وأدخله الجنة.

وحديث الرجل الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في البر والبحر.

وأحاديث "من قال: "لا إله إلا الله"، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله"، رواه مسلم في "الإيمان" حديث (23).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة"، رواه مسلم في "الإيمان" حديث (26).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (425، 1186)، ومسلم حديث (33).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ"، أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (99).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة"، رواه مسلم حديث (27).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار"، رواه مسلم حديث (29).

 

لولا هذه الأحاديث العظيمة وقول الله: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) لكفرنا تارك الصلاة الكفر الأكبر الذي يخرج صاحبه من الإسلام.

وإذا كان هذا واقعنا فنرى أنه لا يرمينا وأسلافنا بالإرجاء إلا ظالم لم يرفع رأسه بهذه الأحاديث النبوية.

ونرى أن مذهبه يقتضي رمي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وأهل السنة والحديث بالإرجاء.

فإن قالوا: ما رأيكم في من يكفر تارك الصلاة من السلف؟

فنقول: إنهم على رؤوسنا نحبهم ونجلهم، ولهم أجر المجتهدين.

ولأنهم يحترمون إخوانهم من أهل السنة ممن لا يُكفرون تارك الصلاة، ولا يصفونهم بالإرجاء، كما سلف في التعليق الخامس.

لأنهم يرون أن عندهم من الأدلة والبراهين ما يمنع من رميهم بالإرجاء، بل ما يحملهم على احترامهم وتقديرهم.

فإذا قيل: إن فلانا رمى بالإرجاء من لا يكفر تارك الصلاة.

فجوابه: إن هذا من زلات العلماء التي حذّر السلف من اتباعها وتقليد صاحبها، ومن قلّده فقد خالف منهج السلف يجب التحذير والحذر منه؛ لأنه متبع لهواه ومن المتبعين للشواذ والغرائب من الأقوال التي يذم من تتبعها.

ومما ينبغي التفطن له أن الذي يكفر بترك الصلاة من أهل السنة لا يكفر بما عداها من أركان الإسلام كالزكاة والصوم والحج وما بعدها من الأعمال الصالحة.

والذي لا يكفر إلا بالأركان الأربعة لا يكفر بما وراءها من الأعمال الصالحة وغيرها؛ لأنه إذا كان لا يكفر بثلاثة من أركان الإسلام فلأن لا يكفر بغيرها من باب أولى.

والذي لا يكفر إلا بترك الصلاة ومنع أداء الزكاة لا يكفر من ترك الصوم والحج، فعدم تكفيره لما وراءها من الأعمال من باب أولى.

وإذن فأهل السنة مجمعون على عدم التكفير بما وراء الأركان الأربعة من الأعمال، فالذي يُكفِّر بما وراءها مخالف لإجماعهم، وسالك طريق الخوارج في التكفير بارتكاب الكبائر مطلقاً.

وهذا يدين من يكفرون تارك جنس العمل ومرادهم بذلك ترك العمل، وهو قول جديد ابتدعوه لحرب أهل السنة والشغب عليهم.

فلشدة فتنتهم وشغبهم على أهل السنة زادوا هذا الأصل، ولم يكتفوا بتكفير تارك الصلاة الذي يغنيهم عن التكفير بما بعده؛ لأن الذي يُكفِّر بترك الصلاة من السلف لا يعتد بأعمال هذا التارك مهما كانت.

ومن شدة هوى هؤلاء المعاصرين المحاربين لأهل السنة يرى المتابع لهم أنهم لا يرفعون رأساً بأحاديث الشفاعة التي نصَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان ويخرج من النار قوم لم يعملوا خيراً قط، ، وقول الله: " وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: لا إله إلا الله" ، أي من النار .

ذكرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الشفاعة في من يخرج من النار من العاملين الذين كانوا يصلون ويصومون ويحجون.

ولا يرفعون رأساً بأحاديث فضل "لا إله إلا الله، محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

بخلاف من يُكفِّر تارك الصلاة من السلف، فإنهم إذا وقف أحدهم أمامها استسلم لها، وصدع بمضمونها كما قدّمنا ذلك عن الإمام أحمد والبربهاري وابن بطة وابن البناء وابن تيمية وابن القيم وغيرهم-رحمهم الله-.

وما منع إخوانهم من أهل السنة من تكفير تارك الصلاة إلا قول الله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ )، وأحاديث فضائل التوحيد وأحاديث الشفاعة لا منهج المرجئة الباطل، الذي يقذفهم به عادل الذي لا يعرف قدرهم، ولا يقيم وزناً لعقائدهم ومناهجهم الصحيحة، ولا يُقدِّر جهودهم في التمسك بالكتاب والسنة والدعوة إليهما والذب عنهما.

والموالاة والمعاداة من أجلهما، ومواجهة أهل البدع من المرجئة والخوارج والروافض والصوفية على اختلاف طرقها.

ومواجهة هذه الفِرَق بالحجج والبراهين من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

مع التحذير منهم والأمر بهجرانهم، وفي الوقت نفسه الصبر على ما يواجهونه من ألوان الأذى ومن عداوات وتشويهات هذه الفِرَق الضالة.

اللهم إنا نعوذ بك من الهوى.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه

ربيع بن هادي عمير المدخلي

1433/11/17هـ

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] - تأمل جيداً احترام أهل السنة بعضهم لبعض، فالشافعي ممن لا يُكفِّر تارك الصلاة، ومحمد بن نصر ممن يُكفِّر تارك الصلاة، ومع هذا يُعظم الشافعي ويترضى عنه، وهكذا سائر أهل السنة؛ يحترم بعضهم بعضاً وإن اختلفوا في غير العقائد، فكم الفروق بينهم وبين عادل وحزبه الذين يرمون من لا يُكفِّر تارك الصلاة بالإرجاء، فعلى مذهبهم يكون أكثر أئمة الإسلام مرجئة.

[2] - في الأصل: "عن"، وهو خطأ لعله من النساخ.

[3] - أي من طوائف أهل الحديث، وهي التي لا تُفرِّق بين الإيمان والإسلام.

[4] - فترى أن هذا الإمام يعترف ويصرِّح بأن الطوائف الثلاث كلها من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث.

[5] - كذا، والصواب: "به".

[6] - في الأصل: "الإيمان"، وهو خطأ واضح يأباه السياق.

[7] - والذين فرّقوا بين الإيمان والإسلام هما طائفتان من أهل السنة والحديث، وهنا اجتمعت أقوال الطوائف الثلاث.

[8] - وهو لا يُفرِّق بين الإيمان والإسلام.

[9] - تأمل جيداً هذه الفقرة التي تضمّنتْ خروج مرتكبي الكبائر من النار بما في قلوبهم من الإيمان، وبهذا الإيمان في القلوب استحقوا الخروج من النار، ثم دخول الجنة، وهذا قول طوائف أهل الحديث.

[10] - إسناده صحيح، ابن خزيمة والربيع إمامان مشهوران، وأبو أحمد الغطريفي ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (3/ 971-972) برقم (912)، ووصفه بأنه الحافظ المتقن الإمام.

[11] - لعله: لا تبلغها.

[12]- رواه الترمذي في "سننه" حديث (2594)، ثم قال: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ". ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. ورواه ابن خزيمة في "التوحيد" من طرق، صرّح مبارك بن فضالة بالسماع في إحداهن، انظر حديث (451, 452, 453). ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "السنة" حديث (833).وحسنه الألباني لأن مداره على مبارك بن فضالة.وابن فضالة قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق يدلس ويسوي". وقال الذهبي في "الكاشف": قال عفان ثقة من النساك وكان وكان. وقال أبو زرعة إذا قال: حدثنا، فهو ثقة، وقال النسائي: ضعيف".

[13] - يشير بذلك إلى مرجئة الفقهاء، الذين يعتقدون بوقوع الذم والعقاب لمن ترك العمل.

[14] - يشير بهذا إلى غلاة المرجئة.

[15] - سيأتي كلام للإمام محمد بن نصر يؤيد هذا القول.

[16] - في النص الذي نقله عادل: "مقراً"، فصوّبناه من طبعة "دار ابن القيم"، تحقيق د: محمد بن سعيد القحطاني.

[17] - هذا مذهب سفيان وبعض أهل السنة، وهو أحد الأقوال التي أسلفناها.

[18] - الصواب برقم (134/82).

[19] - والمرجئة لا يؤمنون بزيادة الإيمان ولا بنقصانه مخالفين بذلك نصوص الكتاب والسنة، ولا يعبؤون بنصوص الوعيد.

[20] - يعني حديث أنس السالف الذكر بلفظ: "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك".

[21] - يعني الإمام أحمد -رحمه الله-.

 [22] - كذا، والظاهر أن الصواب: "مصلان"، كما في "الحلية"، و"مناقب الشافعي" للبيهقي.

 [23] - في "مناقب الشافعي" للبيهقي: "الأنماطي".

 

   


مراجع مراجع





© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير