الرئيسية الرئيسية » المقالات» أشرطة مفرغة » وقفات مع سورة الزمر.

وقفات مع سورة الزمر.


عدد الزيارات عدد الزيارات : 5078     عدد مرات التحميل عدد مرات التحميل : 5477

 

وقفات  مع  سورة  الزمر

 

للشيخ الدكتور/

ربيع بن هادي المدخلي

حفظه الله تعالى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

في أحد مجالس  رمضان لعام  1424 هـ

 

      قال الشيخ ربيع حفظه الله لأحد الإخوة الحاضرين في المجلس:

      اقرأ من قول الله تبارك تعالى ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ) إلي آخر السورة(1).

فقرأ الأخ هذه الآيات: 

( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، سورة الزمر.

وبعد قراءة الأخ لهذه الآيات شرع الشيخ/ ربيع - حفظه الله- في الشرح والتعليق.

فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتّبع هداه.

من فهم هذه الآيات،لم تدع مقالاً لقائل، وماذا سيكون كلامي حول هذه الآيات، إنه كلام الله.

في هذه الآيات تحذير الله تبارك وتعالى من الشرك فإنه أعظم الذنوب وأعظم الظلم، الله يتهدد عباده بأنهم إذا وقعوا في الشرك ليحبطن أعمالهم ، يقولها للأنبياء، إذا كان هذا الوعيد للأنبياء فكيف بالناس الآخرين.

( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ )، يا محمد ( وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ )، من الأنبياء، قيل لكل واحد منهم ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين )، هنا تظهر عظمة الله تبارك وتعالى وجلاله، ويتضاءل أمامه كل شيء سبحانه وتعالى، الأنبياء يهددهم الله ويهدد الملائكة ويهدد كل من يعصيه سبحانه وتعالى الجبار القاهر كل شيء يخضع لجلاله وعظمته ويذل أمامه سبحانه وتعالى، فلا يتعاظمه شيء سبحانه وتعالى ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين )، الشرك يبطل العمل ولو جئت بأعمال مثل الجبال وأشركت بالله عز وجل لذهبت هباءً، كل هذه الأعمال تذهب، ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ) الفرقان – آية 23، فلنحذر الشرك كبيره وصغيره، دقيقه وجليله، لنخلص الدين لله رب العالمين، نعرف التوحيد بتفاصيله، والشرك بتفاصيله، الشرك نعرف تفاصيله حتى لا نقع في شيء منه، والتوحيد نعرف تفاصيله حتى لا نقصر في شيء منه، قال تعالى: ( لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين )، ويا لها من خسارة، لأن عاقبة الشرك الخلود في النار ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) النساء – الاية 47، ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لقمان – الآية 13، والعياذ بالله كما في سورة لقمان إذ قال لقمان لابنه ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) لقمان – الآية 13 ، لا يتصوره العقل و لايدركه الخواطر عظيم، عظيم في غاية العظمة، ولذى يستحق صاحبه الخلود في النار أبد الآبدين، فنعوذ بالله من الشرك صغيره وكبيره، ودقيقه وجليله ( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ )، أخلص الدين لله وحده سبحانه وتعالى ( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ )، يعني هذا حصر العبادة لله، تقديم المعمول يقتضي الحصر مثل قوله ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )، بل الله فاعبد، وحده سبحانه وتعالى، ولا تجعل له نداً لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الإنس ولا من الأشجار بل أخلص له العبادة وحده، واعرف هذه العبادة، اعرف هذه العبادة حتى تعبد الله على علم، لا تعبده على جهل وضلال، ادرس هذه العبادة من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، افهمها حق الفهم وتقرب بها إلى الله لأنه ما خلقك إلا من أجلها، عبادة تقوم بها ما خلقك من أجل الدنيا فقط، خلق الدنيا للامتحان والابتلاء، يراك أتعبده وتشكره أو لا؟ ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) الملك – الآية 2، أحسن الناس عملاً : هو المخلص الموحد، هذا هو أحسن الناس عملاً الممتثل لأوامر الله والمنتهي عن نواهيه، ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ )، قرأت أمس في الشكر، الشكر التزام طاعة الله والثناء عليه، حمده والاعتراف بفضله ومنّه، وإدراك أنه لو أفنيت حياتك في عبادته ما جازيت أدنى نعمة من نعمه سبحانه وتعالى، فيجب أن تلهج بقلبك ولسانك وجوارحك بشكر الله تبارك وتعالى.

ثم قال عن الكفار الذين يعبدون غير الله ويتخذون معه أنداداً وللعصاة أيضاً ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) الله العظيم الجليل، لو قدروه حق قدره ما عبدوا غير الله أبداً ولم يتخذوا معه أنداداً بل لما عصوه إطلاقاً، فما يعبد غير الله، أو يعصي أوامره إلا إنسان ما عظم الله، ولا قدره حق تقديره، وما عظمه حق تعظيمه، وما أجله حق إجلاله، سبحانه وتعالى، ثم برهن على عظمته، تصور ( وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ )، هذا الذي يقبض الأرض والسموات بيمينه كيف يُعصى، الذي حاله بلغ من العظمة والقدرة والربوبية والإلوهية والجلال، إن السموات والأرض كحبة رمل في يد أحدنا وتعالى الله عن الأمثال، الكون كله في قبضته كل شيء يتضاءل أمام عظمته وجلاله، فكيف يُعصى من هذا شأنه، خلقك لعبادته وخلق هذا الكون وهذه قدرته وهذه عظمته وهذا جلاله كيف تعصيه، كيف تعصيه، يعني الإنسان يخاف من إنسان مثله يخاف من جندي ما يستطيع أن يخالف أوامره، جندي مثلك مخلوق ويبول ويتغوط ويمرض إلى آخره وتخاف منه ولا تخاف الله عز وجل هذا العظيم الذي خلق هذا الكون ودبره والسموات مطويات بيمينه والأرض في قبضته كيف تعصيه سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى عما يشركون نزه نفسه كيف تتخذ معه أنداداً من الأصنام المنحوتة التي تصنعونها بأيديكم ومن الأحجار ومن الحيوانات، فيه ناس يعبدون القرود والخنازير إلي غير ذلك ( قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) عبس – الآية 17، ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم – الآية 34، إلي الله المشتكى، سبحانه تنـزه عما يشركون، شرك الربوبية وشرك الإلوهية، هناك أناس يقولون نحن مسلمون ويدّعون في مخلوقين ضعفاء مثلهم، أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون، ويكشفون الكروب، هؤلاء من المنتمين للإسلام فكيف بالنصارى واليهود والوثنيين وما قدر الله حق قدره وما قدر الله حق قدره.

قال تبارك وتعالى عن مآل هذا الكون ونهايته ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ )، مخلوق من مخلوقات الله يبلغ من القوة أن ينفخ نفخة واحدة فيهلك كل من في الكون إلا من شاء الله كلهم، ما أضعف الإنسان ما أضعف المخلوقات أمام عظمته سبحانه وتعالى، وهذا المخلوق إسرافيل ينفخ في آلة الصور، ينفخ فإذا بهم قد هلكوا، هذه نفخة الصعق وقبلها نفخة الفزع وتأتي بعدها نفخة البعث، نفخات ثلاث نفخة الفزع ونفخة الصور ( فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ )، وهذه الصاعقة ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ )، يموتون كلهم الملائكة والإنس والجن إلا من شاء الله قالوا المستثنى هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم، لأنهم ضحوا بأرواحهم في سبيل الله فيكافئهم الله بهذه الحياة ( فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ )، وبعدها نفخة البعث ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُ2رُونَ )، يهلك الناس من الصعقة إلا من شاء الله ثم ينـزل الله مطراً كالطل أربعين سنة أو كذا ثم لما تتكامل الأجساد يأمر الله بالنفخ في الصور فتعود الأرواح إلي أجسادها بنفخة واحدة من مخلوق من مخلوقات الله عز وجل ( فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ) عظمة الله وقدرته سبحانه وتعالى.

( وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا )، يأتي بعدها القضاء ، تتجلى الأرض بنوره وجلاله سبحانه وتعالى ويقضي بين العباد يأتي بالنبيين والشهداء، يأتي بالأنبياء فيشهدون على أممهم ويأتي بالشهداء من الملائكة يشهدون على الناس بما قدموا في هذه الحياة من أعمال صالحة أو طالحة، أعمال خير وأعمال شر لا يظلمون مثقال ذرة وتنصب الموازين وتدنوا الشمس من الناس وهم في الموقف حتى ما يكون بينها وبينهم إلا مقدار ميل، قال الراوي: لا أدري ميل المكحلة يعني الصغير  أو ميل المسافة وينزل بالناس من الأهوال والكروب ما لا يعلمه إلا الله تبارك، وتعالى ويأتي الله لفصل القضاء فيحاسب عباده سبحانه وتعالى وتنصب الموازين ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) الزلزلة – الآية 7،8، وبعد ذلك يساق الكفار  إلي النار ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا )، كل شكل مع شكله اليهودي مع اليهودي والنصراني مع النصراني والي آخر الملل والنحل، وتتبع كل أمة ما كانت تعبد إلي النار، ينظر الكفار إلي اليهود ماذا كنتم تعبدون قالوا، كنا نعبد عزير ابن الله قال كذبتم،كذبتم ما كنتم تعبدون، ثم يؤمر بهم إلي النار فيقولون ربنا عطشنا فاسقنا فيشار لهم إلي النار فإذا بها تحترق بعضها بعضاً فيتقاذفون فيها ويتواردون فيها، ويقال للنصارى ماذا كنتم تعبدون، فيقولون كنا نعبد عيسى ابن الله ،يقال لهم كذبتم ماذا تريدون قالوا عطشنا نريد أن تسقنا، فينظرون إلي النار فإذا هي كالسراب يحرق بعضها بعضاً فيتواردون فيها، هذا معنى الحديث، ويدخل الوثنيون وغيرهم من الملل الكافرة في النار ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا )، ( يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا )،يسوقونهم كما تساق الحمير في غاية الذل في غاية الهوان إلي النار والعياذ بالله.

( حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا )، مغلقة إذا جاءوها فتحت أبوابها فجأة، يعني يلقون من الحر والهول ما لا يتصورنه، وكيف وتستقبلهم الملائكة؟ بالإهانات والتوبيخ والتبكّيت (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا )، هم غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى )، اعترفوا ، في الأول في الحياة الدنيا كذبوا الرسل وسخروا بهم واستهزءوا بهم الأنبياء يتلون عليهم آيات الله والآيات والمعجزات الظاهرة تدل على عظمة الله وعلى إلوهيته وعلى صدق أنبيائه ورسله، استهزءوا وسخروا منهم وكذبوهم وقتلوا بعضهم و.... و.... إلي أخره (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ )، تبين إلوهيته وتوحيده وأنكم عباده يجب أن تعبدوه ويجب أن تؤمنوا بتشريعاته وتنقادوا لأوامره، ما جاءوكم حتى استحققتم هذا المصير؟ قالوا جاءوا ( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى )، هذا المصير: هذا المصير المهلك، قالوا الذين يعصي الله، ويكذب رسله مصيره النار ويصفون لهم هذه النار ويبينون لهم أهوالها، ويصفون لهم الجنة ويبينون لهم ما فيها من النعيم، من وحد الله فهذا جزاؤه ومن أشرك به وعصاه فهذا جزاؤه بينوا لهم كل شيء ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى )، يندم الآن لا ينفع الندم، ما ينفعهم إيمانهم والاعتراف والتصديق الآن ما ينفعهم، لان المؤمن: هو الذي يؤمن بالغيب ويتّبع الرسل ويصدقهم في كل ما يقولون، أما أن يكذب الرسل حتى إذا شاهدوا ما كانوا يكفرون به وتظهر لهم الحقائق كما هي قال آمنت هذا لا يقبل منه، (لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ)، حتى في الدنيا، الذين كذبوا الرسل وجاءهم العذاب في الدنيا، فإذا شاهد العذاب قال آمنت لا ينفعهم إيمانهم فات الأوان يعني عندما شاهد الحقائق أمامه يصدق، أنت كنت تكذب الرسل عندهم الآيات والمعجزات والبراهين وأنت تكذبهم الآن تؤمن لا ينفعك إيمانك ( قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )،  هذه أظن يقولونها هم، ويمكن إن قالتها الملائكة لهم ( وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )، كلمة العذاب كلمة الله عز وجل ( لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) هود – الآية 119، الله سبحانه وتعالى خلق الناس فريقين فريق في النار في السعير وفريق في الجنة فمن أراد الله به أن يكون شقياً ومن أهل النار عمل بأعمال أهل النار وصدقت فيه كلمة الله ووعده سبحانه وتعالى، ومن أراد له السعادة يسره لعمل أهل السعادة ودخول الجنة  ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء – الآية 23، سبحانه وتعالى، الله خلق العباد وقسمهم قسمين أشقياء وسعداء، نطلب من الله بجد وإخلاص أن يجعلنا جميعاً من السعداء وأن يجنبنا طرق الضلالة والشقاء، ( قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ).

تقدم لكم بالأمس أن منشأ كل الضلالات والكبر والكذب- نسأل الله العافية-  فبئس مثوى المتكبرين ما أقبح هذا المصير! هذا المتكبر هذا مصيره إنه أذل خلق الله وأحقرهم وأرذلهم مهما بلغ من المنـزلة في الدنيا وبلغ من الملك هذا مصيره بئس مثوى المتكبرين، لا أسوء ولا أبأس من هذا المصير المظلم المهلك السيئ جهنم أبد الآبدين ( ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا )، أبد الآبدين فبئس مثوى المتكبرين لا أسوء من هذا المثوى.

( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا )، أفواجاً زمراً ، الأنبياء مع الأنبياء والصديقين مع الصديقين، الشهداء مع الشهداء،  وهكذا كل شكل مع شكله مكرّمين معزّزين على نجائب حتى إذا جاءوها : جاءوا الجنة فتحت أبوابها،  قال وفتحت أبوابها وجدوها مفتوحة، ما قال فتحت أبوابها لأنها فتحت فجأة، هنا وفتحت أبوابها والحال أنهم وجدوها مفتوحة لهم تكريماً لهم تنتظرهم ( وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ )، ما فيه توبيخ، سلام وإكرام وتبجيل وتبشير بالسلامة، ( طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ )، لأنهم عملوا الطيبات في الحياة الدنيا من الأعمال الصالحة كانت حياتهم طيبة بالتوحيد والإيمان والأعمال الصالحة وحب الله والتوكل عليه والشفقة على عباده وصلة الأرحام والبر وسائر الأعمال التي شرعها الله، فكانت حياتهم طيبة في الدنيا فجزاؤهم أن يحيوا الحياة الطيبة في الآخرة، وأولئك كانت أعمالهم سيئة فبئس مثوى المتكبرين.

(طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ )، الله أكبر ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ )، ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ )، الله أعلم بأنهم آمنوا وعملوا الصالحات واتبعوا الرسل وقاموا بأوامره واجتنبوا نواهيه أن يدخلهم الجنة بعد أن رأوها وشاهدوها ودخلوها وتمتعوا بنعيمها ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ )، يعني أدناهم يمكن أن ينظر في ملكه مسيرة ألف سنة، أدناهم وآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة له مثل الدنيا وعشر أمثالها، ملك الله واسع سبحانه وتعالى وكرمه واسع وفضله واسع سبحانه وتعالى، إيش العمل الذي عمله الإنسان! لكن الله كرمه واسع وفضله واسع سبحانه وتعالى، احترم وأكرم الأنبياء وأكرم الحق يكرمك الله عز وجل، احترم الأنبياء واحترم ما جاءوا به وعظم الله حق تعظيمه وقدره حق قدره ترى جزاءً لا يخطر بالبال ولا يدور بالخيال ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) السجدة – الآية 17، كم فيها من الحور كم فيها من القصور كم فيها من الجنان كم فيها من الأنهار من خمر من لبن من عسل ومن. . . ومن . . . ومن والخدم ( إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ) الإنسان – الآية 19، واللباس من الحرير ( وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ) الإنسان – الآية 21، خمر لكن طهور ، في الدنيا نجس قذر أما ذاك فطهور، جزاء عظيم لا يخطر ببال ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ )، فاستعدوا أيها الإخوة وأعدوا لهذا اليوم ليكرمكم الله عز وجل بهذا الجزاء العظيم الذي وعدنا على ألسنة رسله، ونسأل الله أن يوفقنا لدخول الجنة والعمل لها ونقول ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، يسبحون بحمد ربهم الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا أن الله هو الغفور الرحيم هذا في الدنيا،  وفي الآخرة يبقى الملائكة حافين بالعرش يسبحون بحمد ربهم، الله العظيم الجليل سبحانه له الدنيا وله الآخرة سيد هذا الكون وخالقه ومالكه ومدبره وكل من فيه خاضع لجلاله وعظمته ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) مريم – الآية 95.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لتعظيم ربنا وإجلاله، والقيام بما نستطيع من حقوقه، لأننا لا نستطيع أن نقوم بشكر أدنى نعمة  فضلاً عن أن نقوم بشكر نعمه، ولكن عفوه أوسع ورحمته وسعت كل شيء.

نسأل الله أن يتغمدنا بواسع رحمته، وأن يتحفنا بنعمه وفضائله، أن ربنا لسميع الدعاء.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

قمت بتفريغ هذه الكلمة ثم أرسلتها لشيخنا ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله – 

فتفضل الشيخ بمراجعتها ثم الأذن بنشرها 

بتاريخ:  الأحد 10/2/1429هـ الموافق: 17/2/2008م

فجزاه الله خيراً وبارك بعلمه وعمله

محبكم في الله أبو عبدالله السرتاوي

 
   


© موقع الشيخ ربيع المدخلي 2017 جميع الحقوق محفوظة.
  برمجة وتصميم طريق التطوير